[سورة الأنبياء — آية 98]
قوله عز وجل : ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ أي : يُحصَب بهم فيها ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ أي : داخلون في تفسير الحسن . يعني الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة الأوثان ، لأنهم بعبادتهم الأوثان عابدون للشياطين ، وهو قوله عزّ وجل : ﴿ أَلَم أعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ﴾ [ يس : 60 ] .
قال الكلبي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام مقابل باب الكعبة ثم قرأ هذه الآية ، فوجد منها أهل مكة وجداً شديداً . فقال ابن الزّبعرى : أرأيت هذه الآية التي قرأت آنفاً ، أفينا وفي آلهتنا خاصة أم في الأمم وفي آلهتهم معنا؟ قال : لا ، بل فيكم وفي آلهتكم ، وفي الأمم وآلهتهم .
فقال : خصمتك وربّ الكعبة . قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمّه ، وأن طائفة من الناس يعبدون الملائكة . أفليس هؤلاء مع آلهتنا في النار؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحكت قريش وضجّوا . فذلك قول الله عزّ وجلّ : ﴿ وَلَمَّا ضُربَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ ﴾ [ الزخرف : 57 ] أي : يضحكون ﴿ وَقَالُوا ﴾ يعني قريشاً : ﴿ أآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ [ الزخرف : 58 ] . وقال ها هنا في هذه الآية وفي جواب قولهم : ﴿ إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ يعني عيسى والملائكة .
وقال بعضهم : إن اليهود قالت : ألستم تزعمون أن عزيراً في الجنة وأن عيسى في الجنة؟ وقد عُبِدا من دون الله . فأنزل الله : ﴿ إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ . فعيسى وعزير ممن سبقت لهم الحسنى ، وما عبدوا من الحجارة والخشب والجن وعبادة بعضهم بعضاً وكل ما عبدوا ، حصب جهنم .
ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الشمس والقمر ثوران عقيران في النار » .
وقال بعضهم : ألستم تقرأون : ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ قال : أظنهم يمثلان لمن عبدهما في النار ، يوبَّخُون بذلك .
وفي كتاب الله عز وجل : إن الشمس والقمر يسجدان لله ، وهو قوله عز وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ ﴾ [ الحج : 18 ] .
ذكروا عن عبد الله بن عمر قال : إن الشمس تطلع من حيث يطلع الفجر ، وتغرب من حيث يغرب الفجر . فإذا أرادت أن تطلع تقاعست حتى تضرب بالعمد ، وتقول : يا رب إني إذا طلعت عُبِدت دونك ، فتطلع على ولد آدم كلهم ، فتجري إلى المغرب ، فتسلّم ، ويرد عليها ، وتسجد فينظر إليها ، ثم تستأذن فيؤذن لها حتى تأتي بالمشرق ، والقمر كذلك ، حتى يأتي عليها يوم تغرب فيه ، فتسلّم فلا يُرَدّ عليها ، فتسجد فلا ينظر إليها ، ثم تستأذن فلا يؤذن لها .
فتقول : يا ربّ إن المشرق بعيد ولا أبلغه إلا بجهد ، فتحبس فلا يؤذن له ، ثم يقال لهما : ارجعا من حيث جئتما ، فيطلعان من المغرب كالبعيرين المقرونين ، وهو قوله عز وجل : ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلآ أَنْ تَأتِيَهُمُ المَلآئِكَةُ ﴾ أي بالموت ﴿ أَوْ يَأتِيَ رَبُّكَ ﴾ أي بأمره ﴿ أَوْ يَأتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾ [ الأنعام : 158 ] وهو طلوع الشمس من المغرب .