مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي

الجزء ١ · صفحة ١٢

بواجبه من ناحيته، فإنه إذا أزيل حجر صغير من بنيان كبير دخل فيه الخلل بمقدار ما أزيل، وإذا ابتدأ الخلل من الصغير تطرق للكبير" (4).

ويستخلص الإمام من التاريخ الإسلامي العبرة في هذا المجال، مؤكدا أن السماح لأسباب الفرقة والخلاف أن تسري في الدائرة الاجتماعية للأمة سيفضي لا محالة إلى انهيار هذه الأمة وتحطمها وذهاب أمرها.

فيقول بعد تحليلٍ أبْرَزَ فيه ما كان عليه المسلمون في تاريخهم وكيف آل حالهم إلى ما هم عليه من انهيار واندثار، نتيجة تنازعهم وصراعاتهم على الأهواء والشهوات والعصبيات: "لقد كان افتراقهم السبب الأول الأقوى لجميع البلايا والمحن الداخلية والخارجية التي لحقتهم في جميع أجيالهم أيام قوتهم وأيام ضعفهم، وأن تاريخهم لعبرة، وأن في أنبائهم لمزدجرا".

ثم يوجه الخطاب إلى الجزائريين، قائلا: "حق علينا ـ معشر الجزائريين ـ اليوم أن نتدبر تلك العبر، وأن نزدجر عما في مصائب الفرقة من خطر" (5).

ويقول في موضع آخر:

"علينا أن نعتقد بقلوبنا أن الاتحاد واجب أكيد، محتم علينا مع جميع المؤمنين، وأن فيه قوتنا وحياتنا، وفي تركه ضعفنا وموتنا، وأن نعلن ذلك بألسنتنا في كل مناسبة من أحاديثنا، وأن نعمل على تحقيق ذلك بالفعل باتحادنا وتعاوننا مع إخواننا في كل ما يقتضيه وصف الإيمان الجامع العام" (6).

ومع أن ابن باديس لا يخص خطابه ـ في كثير من الأحيان ـ بالجزائريين، بل يتحدث عن المؤمنين بوجه عام، إلا أن المتأمل سيدرك بسهولة أن أول المؤمنين المخاطبين هم الجزائريون، هؤلاء الذين يَعتبر ابنُ باديس نفسَه مسؤولا عن تعليمهم ودعوتهم وإرشادهم ومحاولة انتشالهم من الوضعية التي يتقلبون في بأسائها وضرائها.

وذلك واضح كل الوضوح في وصية الإمام إلى المسلم الجزائري، إذ يقول له فيها:

"حافظ على حياتك، ولا حياة لك إلا بحياة قومك ووطنك ودينك ولغتك وجميع عاداتك". (7)

لذلك يمكننا أن نقول: إن الوحدة الوطنية في نظر ابن باديس هي اتحاد الجزائريين وتعاونهم فيما بينهم لإنقاذ وطنهم وتحرير أرضهم وبناء مجتمعهم، بحيث يشعر كل منهم بواجبه تجاه وطنه وبني وطنه، دون أن يكون حبه لوطنه دافعا له إلى كراهية الأوطان الأخرى، أو يكون حبه لبني قومه دافعا له لبغض أبناء الأمم والأوطان الأخرى.

فلا ضير أن تؤمن بوطنيتك الجزائرية، وتشعر بالاحترام لبقية الإنسانية، وفى هذا يقول ابن باديس: "إننا نحب الإنسانية ونعتبرها كُلا، ونحب وطننا ونعتبره منها جزءا، ونحب من يحب الإنسانية ويخدمها، ونبغض من يبغضها ويظلمها. وبالأحرى؛ نحب من يحب وطننا ويخدمه، ونبغض من

١٢ / ١٤٠