قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١١٢غلب على عرض هذا الفصل الجانب النظري، على حساب جانب الأثر في شعر الشعراء، أو بمعنى آخر إن الباحث ركَّز على تقديم رأي الإباضية في القضايا المتعلقة بالعقيدة، وسرد أقوال العلماء وأدلَّتهم المعتمدة في الموضوع. بينما ما ظهر من أثر للفكر في شعر الشعراء، فإن الباحث لم يأت له إلاَّ بنزر قليل. مثلا في مسألة الإيمان والعمل وبيان حقيقة التوحيد لم يذكر سوى نموذج واحد لأبي مسلم البهلاني:
بِيضُ العمائِمِ لا تُجدِي إذا انكَدَرَتْ بِيضُ القُلُوبِ وللإِيمانِ عُنوانُ (ص: 64)
وهذه القضية هي الوحيدة التي مثل لها بمثال واحد، مما سماه "جملة التوحيد" كما تنصُّ على ذلك العقيدة عند الإباضية. وقد وردت هذه المسألة في هذه الدراسة تحت عنوان "التوحيد والتنزيه". بينما أورد مسألة الرؤية في العنصر الثاني من المبحث، وهي في الحقيقة تتعلَّق بالتنزيه، كان عليه أن يدرجها تحت عنوان التنزيه.
المهم إنَّ رأي الإباضية أنَّ رؤية الله تبارك وتعالى مستحيلة في الدنبا والآخرة. فبعد أن عرض الباحث رأي الإباضية وأتى بالشواهد، من أقوال العلماء وسرد الأدلة، وأفاض في العرض والتحليل والمقارنة، قال: "وقد تركت هذه المسألة صدى واسعا عند الشعراء الإباضيين عبر ما جاء على لسان مجموعة منهم، سواء أكان ذلك من خلال تخصيص قصائد بعينها، من أمثال العلامة البطاشي والخليلي والبهلاني، أو ما انعكس في شعرهم، ضمن أغراض مختلفة، تأثروا فيها بهذا البعد". (ص: 69)
دلَّل على تأثر الشعراء بهذا الفكر في هذه المسألة بأبيات ممَّا نظموه، بخاصة شعر "سعيد بن خلفان الخليلي" و"أبي مسلم" وغيرهم، وذكر محموعة من العناصر التي تتعلق بمسألة الرؤية، أثارها الشعراء، قال الباحث: "هذا بعض التأثير الذي تجلَّى ضمن متفرقات انعكس فيها البعد الفكري العقدي. أمَّا أن يعمد الشاعر إلى بناء قصيدة عمادها الفكر الديني، ويعالج فيها جانبا عقديا بحتا، فلا ريب أنَّها كانت مقصودة قصدًا موظَّفا، ليغدو الفكر العقدي غاية في حد ذاته، وبذلك ينتقل الشاعر بشعره من المجال العاطفي والشعوري إلى الجانب العقلي، لا سيما ما يوافق الخطاب فيه من استدلالات عقلية، واستنتاجات فلسفية، ومقولات جدلية، فهل ينجح الشاعر في ذلك؟ " (ص: 74)
وقد أشار بخاصة إلى قصيدة "أبي مسلم البهلاني" التي ردَّ فيها على شاعر، رمى الإباضية بفساد معتقدهم وسوء تأويلهم في مسألة الرؤية: "الناظر في قصيدة أبي مسلم البهلاني (طمس الأبصار) يجد أنها تميزت بأسلوب الحوار، وخروج الفكر من خلال العاطفة المتقدة، وقد ظهر عليها الجانب الفلسفي والجدلي، ممتزجا بالحرص على عرض الأدلة، وتفنيد حجة الخصم، وهي من القصائد القليلة التي تشي بحالة أبي مسلم النفسية وهو ينشئها، إذ عكست شدَّة في المواقف، وعنفًا في الخطاب، وتعصُّبًا للرأي، وإن كان تعصبا قائما على إيمان راسخ بصدق المعتقد". (ص: 75) قال