قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١١٥على نافع بن الأزرق وبراءته منه، يشير إلى الفرق الكبير بين الإباضية والخوارج في الحكم على مرتكب الكبيرة من جهة، وفي تفريقهم بين كفر النعمة وكفر الجحود من جهة ثانية.
ومفهوم كفر النعمة عندهم مرادف لمفهوم الفجور والعصيان، ويقترب من ذلك قول ابن تيمية (ومرتكبو الكبيرة لا ينطبق عليهم وصف الإيمان المطلق، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.) " (2). (ص: 93)
هذا التوضيح مهمٌّ لتفسير المصطلحات الغامضة، التي سبَّب عدم فهمها من غير الإباضية مشاكل كثيرة لهم ومتاعب كبيرة، فاتخذوا مواقف سلبية نحوهم؛ نتيجة تأويل خاطئٍ لما يتبناه الإباضية من آراء في الموضوع.
ثم عرض مسائل متعدِّدة في هذه النقطة، كمفهوم المنزلة بين المنزلتين، ودلالتهما المختلفة عند الإباضية والمعتزلة، والوعد والوعيد، والخلود في النار لمرتكب الكبيرة إذا مات مُصرًّا على كبيرته. عرض كل ذلك مع مقارنة بسيطة بين ما يراه الإباضية وما يتبناه غيرهم. ثم قال بعد ذلك وهو يعلل رأي الإباضية في القول بخلود مرتكب الكبيرة أو العاصي إن لم يتوبا قبل موتهما: "ويقصد الإباضية من وراء ذلك إلى سدِّ الذرائع على من يجترئون على محارم الله فيرتكبون معاصيه، ولذلك يقول أحدهم (الحكمة من خلود أهل النار أنَّ العاصي إذا عصى ربًّا عظيما لا نهاية لعظمته، فكذلك عذابه خلود لا نهاية له، لأن ثواب الله لا يشبهه ثواب، ولا ينقطع ولا يزول، وعقاب الله لا يشبهه عقاب ولا ينقطع ولا يزول، فلو كان لثوابه وعقابه نهاية لأشبه ثواب المخلوقين وعقابهم)." (3) (ص: 96).
حاول الباحث بشكل جيد وواع ربط حلقات العقيدة عند الإباضية، كما أرادوها أن تكون؛ لتؤثِّر في سلوك المؤمن، وبيان وتوضيح أسس بناء أصول الإباصية التي لم يفهمهم فيها غيرهم، فرموهم بأنواع من الشذوذ والتباين عن الجماعة الإسلامية: "ومما ينبغي الإشارة إليه أنَّ الإباضية برؤيتهم تلك يوجدون ترابطا وثيقا وتماسكا قويا بين مكونات فروع التوحيد. فالإيمان قولٌ وعمل، مرتبطٌ ارتباطا جوهريا بمبدإ الوعد والوعيد. وعليه فلا بد من احترام من يلتزم بمقتضيات إيمانه فَيُتولى، ومن يُخِلُّ بشيء منه فيُتبرأ منه، ضمن سلسلة متصلة الحلقات، مرتبطة بوشائج العقيدة، التي ينبغي أنَّ تتحول إلى واقع معيش، وتطبيق عملي لمقتضيات العقيدة. فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل". (ص: 96، 97).
بعد هذا العرض عمد الباحث إلى الكشف عن أثر هذه المسائل في الشعر العماني. فبدأ - كعادته في كثير من الأحيان - بأبي مسلم البهلاتي. فأتى بنماذج من شعر هذا الشاعر، ذكر فيها سؤاله ربه أن يتداركه برحمته، مستعينا به من خلود الفجار في دار عدله، ودعوة الإنسان الذي أحاطت به سيئاته ألا يقنط من رحمة الله. كما أشار إلى أنَّ ما أصاب الأمة الإسلامية من هوان وذلٍّ