قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١١٨- الصراط والميزان:
عرض الباحث رأي الإباضية في مفهوم الصراط والميزان، وذكر التفسيرات المختلفة لهما، وحاول أن يُقارن ذلك بما وجده عند غيرهم؛ ليدعم رأي المذهب الإباضي في المسألة. ومن جملة ما ذكر: "ويبدو أنهم (أي الإباضية) رأوا أنَّ هذه المسألة ليست من المسائل ذات الشأن الخطير في تفسيرها الاعتقادي، فيكفي المسلم جملة الإيمان بالصراط والميزان، وأنهما حق، ويكل أمرهما إلى الله، لا سيما وأنهما (ليسا من المسائل القطعية، لعدم ورود القطع فيهما، وإنما هما من المسائل الظنية … ولا يخطأ القائل فيهما برأيه) " (7). (ص: 105)
هذه النظرة إلى هذه المسألة انعكست على الشعر، فلم يرد لها ما يمكن أن يعدُّ أثرًا، وأقرَّ الباحث أنَّ الشواهد في الموضوع قليلة، فهي لم تكن من المسائل التي كانت تشغل بال الشعراء، ما وجده الباحث لا يتعدى أراجيز ومتونا، بلورت رأي الإباضية في المسألة. ونحن نتساءل لماذا أتى بها ضمن ما كان له أثر في الشعر؟ إلاَّ أنَّ التفسير الذي يمكن لنا أن نعطيه لذلك هو حرص الباحث على التعريف بأصول المذهب الإباضي، واغتنام الفرص لتصحيح الأخطاء ودفع الإيهام. إن هذا ينسيه المسار الذي اختطَّه لنفسه في هذا البحث، وهو بيان أثر الفكر في الشعر.
- الولاية والبراءة " الجانب الاجتماعي والبعد العقدي ":
العنوان الذي وضعه الباحث لهذا العنصر يفصح عن الأهمية التي أعطاها لهذه المسألة، ويكشف عن الهدف من إيرادها في دراسته، وتبين عن انشغال علماء الإباضية بها. إنهم يرونها عاملا كبيرا ومهمًّا في ضبط السلوك ومراقبة النفس … إنها الكفيلة بردع الناس عن الانحراف، وتنبيه الغافل عن السدر في الغي يقول الباحث: "من منطلق الصلة بين العقيدة والعمل، يذهب الإباضية إلى أنَّ التعامل مع الناس يجب أن تكون مرجعيته هذه العقيدة، التي تتحدَّد العلاقة بموجبها، ولذلك عَدُّوا الولاية والبراءة أصلاً من أصولهم العقدية، وقاعدة من قواعد الإسلام، فوضعوا لها شروطا، وحددوا لها مواصفات، وتشدَّدوا في تطبيقها في مجتمعاتهم، حتى قيل: (إنه من لم يَدِنْ بها لا دِينَ له) ". (ص: 108)
عرض الباحث بعد ذلك مفهوم الولاية والبغض، كما يراه الإباضية؛ مدعِّما بالأدلة النقلية. ثم أتى بأبيات لأبي مسلم البهلاني؛ للتدليل على أثر هذه المسألة في الشعر العماني. قال أبو مسلم:
والحب والبغض فرضان استحقهما خصمان في الله من بَرٍّ ومن فَجِرِ
والأمر يبنى على الأعمال كيف جرت والمدحُ والذمُّ بحتًا غير معتبر
ومن هذا المنطلق أعلن أبو مسلم ولايته وحبَّه لأهل النهروان، انطلاقا من مبدإ عقدي، حين يقول:
جزى الله أهلَ النهروانِ رضَاءَهُ وما فوق مرضاة الإله أجورُ
ندين لوجه الله طوعًا بحبِّهِم وما شنآن الملحدين مُضِيرُ