قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١١٩همُ القومُ بلتهم مخافةُ ربهِم ودارَت عليهِم أبطُنٌ وظهُورُ (ص:109)
ثم سرد الباحث مجموعة من آراء علماء الإباضية وغيرهم في بيان الهدف أو النتيجة التي تحصل من تطبيق هذا الأصل، للشيخ علي يحي معمر والدكتور محمد ناصر والدكتور عوض خليفات، الذين لَمحوا إلى غاية الردع والرجوع إلى جادة الإسلام. وأشاروا إلى بعده العقدي والاجتماعي والتربوي والسياسي "وغدا فكرًا متميزًا لا يتساوى فيه الطائع والعاصي، وهذا ما جعل أحد كتابهم يفخر بهذه المنقبة قائلا: (هذه القضية يكاد ينفرد بها الإباضية عن غيرهم من الفرق الإسلامية، فلم يساووا بين مؤمن تقي وعاص شقي في المعاملة) ". (8) (ص: 110)
أردف ذلك وشفعه بأبيات لأحمد بن سعيد الخليلي وأبي مسلم البهلاني؛ دليلا على تطببق ما جاء في الولاية والبراءة من منظور إباضي، أو بيانا لأثر الفكر في الشعر. ونقرأ فيها نظرة الإباضية إلى مسألة الولاية والبراءة حيث يحرصون على تطبيق ذلك بما لا يسيء إلى العلاقات، ولا ينال من كيان المجتمع. فلا توجَّه وسيلة البراءة بشكل خاطئ، كالسعي إلى تتبع عورات الناس، وتصيد أخطائهم، والتعجل في إعلان البراءة، ولأدنى سبب … إن هذا يدلُّ على التروِّي والأناة والتثبت، والقصد في استعمال هذا الأسلوب، إذ لا يلجا إليه إلاَّ في حالة الضرورة القصوى، وينبئ عن الإرادة إلى الإصلاح وليس إلى التشهير والشماتة.
متابعة في تفصيل القول في المسألة وتوضيح بعض الجوانب منها، ذكر شيئا من شعر سعيد بن خلفان الخليلي وابن شيخان السالمي وأبي مسلم البهلاني. ويبدو واضحا مما ورد في هذه الأبيات التأثر الفكري بما نادى به الإباضية في قضية الولاية والبراءة، التي منها الحذر من موالاة أعداء الله؛ لأنَّ الالتزام بهذا المبدأ العقدي يضمن المحافظة على استقلالية الشخصية، ويساعد على الحفاظ على مقوماتها، ويعين على معرفة الحدود الفاصلة بين التعاون والتنازل، ويدفع إلى ضمان الهيبة …
إنَّ الباحث كان موفقا في عرض هذه المسألة وبيان أثرها في الشعر، وكان ناجحا في تقديمها للقارئ تقديما جيدا: حيث مزج بين الجانب النظري والتطبيقي في عرضها، وقد اعتمد على الشعراء كثيرا في تقرير حقيقتها، وعلى أقوال بعض الدارسين، الذين ركزوا على الأهداف والنتائج الإيجابية التي تحصل من تطبيق أصل الولاية والبراءة. وبذلك يكون قد ركز منذ البداية على الجانب العملي في القضية؛ إشارة منه إلى إيلاء الموضوع أهمية كبيرة، لأن الناس غفلوا عنه كثيرا، ولم يعوا دور هذا الأصل في ضبط المسيرة وتحسين السلوك. وقصدًا منه أيضًا لفت الانتباه إلى إدراك مدى تميُّز المذهب الإباضي بها ولماذا.
كل هذه المعاني وهذه الأفكار وغيرها يمكن للمتأمل المدقق في عرض الباحث أن يستنتجها أو يقف عليها بجلاء، مما يبين أنَّ الباحث كان موفقا في عرض مسألة الولاية والبراءة.
- خلق القرآن