مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي

الجزء ١ · صفحة ١٣

يبغضه ويظلمه. فلهذا نبذل غاية الجهد في خدمة وطننا الجزائري وتحبيب بنيه فيه، ونخلص لكل من يخلص له، ونناوئ كل من يناوئه من بنيه ومن غير بنيه" (8).

ولا شك أن من أبسط المفاهيم المتفرعة عن الوحدة والاتحاد؛ التعاون فيما بين أفراد المجتمع وتناصرهم على أعدائهم أولا، ثم الحذر من أي محاولة يحاولها أولئك الأعداء لتقويض هذه الوحدة، فيحاولون الدخول من النافدة حين يعجزون عن الدخول من الباب، وذلك بواسطة إثارة النعرات التي من شأنها أن تحيل الوحدة إلى فرقة، والاتحاد إلى تنازع وصراع .. وإننا نحن الجزائريين لفي حاجة ـ اليوم أكثر من أي وقت مضى ـ إلى الانتباه إلى هذه القضية، واستحضار الخطر الكبير الذي سينجر حتما إذا ما غفلنا عن أساليب الأعداء ومحاولاتهم المستمرة لتقسيم كياننا الوطني وإثارة النعرات الجهوية واللغوية التي لا هدف لها سوى تقويض هذه الوحدة الوطنية التي نعتز بها ونعمل على تمتينها واستمرارها، وإن لنا في هذا أسوة بإمامنا ابن باديس الذي تفطن إلى دسائس الاستعمار في هذا الإطار فعمل على مواجهتها قبل أن يستفحل أمرها ويعم خطرها.

3 ـ دعائم الوحدة الوطنية في نظر ابن باديس:

تقوم الوحدة الوطنية في نظر ابن باديس رحمه الله على جملة من الدعائم والأركان، هذه الأركان في حقيقتها، ليست سوى دعائم الشخصية الوطنية ومكوناتها الأساسية، وهي الدين واللغة العربية والوطن والتاريخ والمصير المشترك.

وقد جمع ابن باديس هذه المقومات في كلمة جامعة له فقال:

"تختلف الشعوب بمقوماتها ومميزاتها كما تختلف الأفراد. ولا بقاء لشعب إلا ببقاء مقوماته ومميزاته كالشأن في الأفراد. فالجنسية القومية هي مجموع تلك المميزات والمقومات. وهذه المقومات والمميزات هي اللغة التي يعرب بها ويتأدب بآدابها، والعقيدة التي يبني حياته على أساسها، والذكريات التاريخية التي يعيش عليها وينظر لمستقبله من خلالها، والشعور المشترك بينه وبين من يشاركه في هذه المقومات والمميزات" (9).

وهذه المكونات هي الأهداف الكبرى التي عمل ابن باديس على رعايتها وخدمتها ـ كلها مجتمعة وعلى درجة واحدة من الأهمية ـ في كفاحه التربوي والعلمي الذي خاضه في النصف الأول من القرن الماضي.

والمتأمل في ما قام به ابن باديس من أعمال وما تركه من مقالات وآثار سيجد أن "الاهتمام بالنضال من أجل الوطن والدين واللغة واضح في كل أعماله وخطبه ومقالاته، ثم إن الربط بين هذه العناصر المتكاملة واعتبارها شيئا واحدا ظاهر كذلك في أفكاره وأعماله وبرامجه، لأنه لا يتصور أن الإسلام مفصول عن اللغة العربية، وأن هذه الأخيرة مفصولة عن القرآن والإسلام، كما

١٣ / ١٤٠