مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٢٥

ولمزيد من بيان بعض أحكام السياسة الشرعية التي كان يحتكم إليها الإباضية، وكان الشعراء حريصين على الإشارة إليها. بل كانوا يلومون من لا يلتزم بها، كموقفهم من تحريم الخروج على الإمام العادل. سرد للتدليل على ذلك نماذج من شعر خالد بن هلال الرحبي وأبي مسلم البهلاني.

وفي المقابل فإن الشعراء تبنوا رأي المذهب وموقفه من الحاكم الجائر، والتعامل معه: خروجا وطاعة، متى يجب الخروج ومنى يجوز، ومتى لا يجوز … وقد حاول الباحث الإتيان بأمثلة لأثر هذا الفكر في الشعر العماني، لكن حسب نظري إن تلك الشواهد لا تحدِّد خصوصيةً لهذا الفكر، بالمقارنة مع غيره.

بالنظر إلى النماذج المقترحة من الباحث، لا نجد فيما ذكر إلاَّ عبارات تعمد إلى الربط بين ما نظمه الشعراء شعرًا والفكر السياسي الإباضي (12).

يبدو أنَّ الباحث كان ملزما نفسه بإثبات أثر الفكر الإباضي، السياسي منه بخاصة في الشعر العماني؛ إذ نجده يجهد نفسه لإيجاد رباط متين بين الفكر وما نظمه الشعراء، فيكون عنده كل ما يقوله الشعراء هو انعكاس للفكر على شعرهم. مثلا في موضوع الموقف من التكسب بالشعر وأثر الفكر السياسي في قصيدة الرثاء، سواء في رثاء الأئمة أم رثاء الإمامة أم رثاء الشيوخ والزعامات الدينية، لا نجد في النماذج التي أتى بها ما يكشف عن انعكاس الفكر على الشعر سوى تعلق الشعراء بالإمامة وبالأئمة العدول الأخيار، وسوى التأسف والحسرة على فقدان هؤلاء، كقول الباحث وهو يذكر أبياتا لعبد الله الخليلي، يرثي الإمام محمد بن عبد الله الخليلي: "وبموت الإمام تموت الحرية وتهان الملة، ويزول الإباء ويسود الظلم، ويعمُّ الكون ظلامٌ رهيب، وهي تمثِّل نظرة سوداوية لما يمكن أن تسفر عنه الأمور بعد فقد هذا الإمام، في إشارات أرسلها الشاعر، يعبر فيها عن رؤيته للمستقبل". (ص: 192)

ولا نقرأ سوى تسجيل مشاعر الحزن والأسى على الفقد والحرمان والضياع، وسوى التعبير عن الأحداث التي سببت تقويض الإمامة، كقول الشاعر سعيد بن أحمد بن سليمان الكندي، وهو يرثي الجبل الأخضر؛ رامزًا بذلك إلى رثاء الإمامة الموؤودة:

ماذا أقولُ وأدمعي منهلةٌ حزَنًا وعيني كُحلَت بسُهَادِ

لهفًا وما يُغني التلهُّف والأسى ولا أسطيع ردَّ عوادي

لكنَّها نفثاتُ مصدورٍ بها جاشت لواعجُ حسرةِ الوقَّادِ

يرجُو بها حقَّ الوفاء لمعشَرٍ سادُوا بعدلٍ إذ رَعَوا وَرَشَادِ (ص: 194)

نسجِّل في ختام قراءة ما جاء في هذا الفصل أنَّ الباحث بذل جهدًا كبيرًا في تقديم رؤية جيدة عن الفكر السياسي المتميز عند الإباضية؛ بتناول جزئيات دقيقة في الموضوع، مع مزج ذلك في كثير من الأحيان بما نطق به الشعراء في شعرهم من هذا الفكر، مما عد تعريفا به، وتأثرا في آن واحد.

١٢٤ / ١٤٠