مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٢٦

وهو جهد كبير حالف فيه الباحث التوفيق إلى جد كبير؛ سواء في نقل أقوال العلماء، أم تقديم نماذج من الشعر، أم تحليل بعض الدارسين لهذا الفكر، أم تعليقات الباحث نفسه على بعض المواقف وبعض الآراء و النماذج. وهذا ما أعطى أهمية كبرى للموضوع، وقد كانت رسالة الباحث واضحة في هذا العرض الذي أفاض فيه، وهو ما يقدم الدليل على قيمة الفكر السياسي الإباضي. ولهذا أفرد له الباحث فصلا كاملا.

- الفصل الرابع: ظواهر أخرى:

عرض الباحث مجموعةً من الظواهر التي استوقفته في الشعر العماني المتأثر بالفكر الإباضي. وقد أسهب كثيرا وتوقف طويلا في شعر الزهد والسلوك. سبب هذا الإسهاب والإطالة هو الغموض والإبهام والإيهام الذي أحاط به.

إن المطلع على الشعر العماني تستوقفُه ظاهرة ورود مصطلحات صوفيَّة فيه، ويقرأ أثر بعض الشعراء المتصوفِّة في هذا الشعر، وحين يقابل هذا بموقف المذهب الإباضي الذي يرفض التصوُّف، تمتلكه الحيرة، ويبقى عاجزًا عن تفسير الظاهرة، ويظل واجما عن التوفيق بين الحالين.

هذا ما دفع الباحث إلى عرض الموضوع؛ محاولة منه لإزالة هذا الغموض، ودفع هذا الإبهام، والتخلص من هذا اللبس. وفي الوقت نفسه كان يهدف إلى تنزيه الشعراء من مخالفة مذهبهم والتخلِّي عن مبادئهم. قال الباحث: "من القضايا اللافتة للنظر عند الشعراء الإباضيين في هذه الفترة وجود وفرة واضحة فيما يسمونه (شعر السلوك) فقد انتشرت في قصائدهم ظاهرة التأثُّر ببعض التوجهات الصوفية في أشعارهم، وهي مسألة جديرة بالتأمل والدراسة.

أطلق الشعراء الإباضيون على القصائد ذات الطابع الصوفي (شعر السلوك) ولم يطلقوا عليها (شعر التصوف)، ومن الجدير بالإشارة إليه أنَّ الإباضية يتشدَّدون تجاه التصوف. وقد انعكس ذلك التأثر في موضوعات تصوفية بعينها كالزهد في الحياة والتحذير من الدنيا، والتخويف من النار وعذابها الأبدي، وطلب المغفرة من الله والتوبة إليه، والمناجاة والإقبال على الله سبحانه، ومخاطبة النفس وتبكيتها، والدعوات التي من شأنها أنَّ تؤكد التربية النفسية، ضمن رغبة جامحة للتخلص من علائق الذنوب". (ص: 207).

حاول الباحث أن يبين أنَّ الفكر الإباضي لا يقر بالتصوف، وقد ذكر ذلك في النقاط الآتية:

- الفكر الإباضي في عمومه فكر تنزيهي، لا يلتقي مع الفكر الصوفي في فلسفته.

- الإباضية لا يدعون إلى اتخاذ الأذكار مجرَّد جلسات وطقوس وتجمُّعات وأناشيد تُتلَى.

- عقيدة الإباضية في التنزيه لا تروم الوصول إلى رؤية الله سبحانه، فضلا عن التوحد معه.

ثم قال بعد ذلك: "على أنَّه لا يمكن التنكر لتأثير المتصوفة في شعر السلوك عند الإباضية، لكنه بقدر ما تأثروا في جوانب تصوفية بعينها، فإنهم قد جاء نتاجهم الشعري في هذا المضمار محافظا على معطيات الفكر الإباضي في عمومه، وإن استفاد جملة من الشعراء بنوازع التصوف في بعض

١٢٥ / ١٤٠