مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٢٧

الجوانب التي استقاها المتصوفة من الفكر الإسلامي الأصيل، بما يؤدي إلى الارتقاء بالنفس إلى مراتب المخلصين، وكعلاج النفس وترويضها وتعويدها على الطاعة، والابتعاد بها عن مواطن الزلل، لتكون جديرة بالعبودية الحقة". (ص:209، 208)

إنَّ الباحث يعترف بوجود تأثر بالمتصوفة في بعض الجوانب التي لا تتصادم مع الفكر الإباضي، وهي التي تتوافق مع الفكر الإسلامي الأصيل، ولهذا حاول إيجاد مبررات لهذا التأثر أو لظهور الشعر السلوكي في الشعر العماني، وقد أرجعها إلى انصراف الناس إلى الدنيا، وكثرة الفتن الداخلية، والواقع السياسي الذي أفرز حالة من الظلم والقهر والاضطهاد. يريد أن يقول إن هذا ليس تأثرا بقدر ما هو استجابة لأوضاع معينة، وظفت بعض ما وجد عند المتصوفة من أساليب في التعبير بقدر الحاجة إليه، من دون الذوبان في هذا الفكر والتخلي عن مبادئ المذهب الإباضي: " … ولكنه لم يكن (الشاعر الإباضي) يستخدمها كاستخدام الصوفية لها، بل هو استخدام لا يتعدى المعنى المعجمي لهذه الألفاظ والمصطلحات، دون أن يحملها بعدا صوفيا خاصا". (ص: 209).

ثم عدد الباحث الموضوعات التي عالجها الشعراء الإباضيون في هذه المسألة. منها: الزهد في الحياة، والحديث عن النفس ومحاولة رسم معالم إصلاحها وكفها عن الهوى، وتنقيتها من الجهالة والظلم، والسمو بها إلى مرتبة العبودية الحقيقية، وتحذير الإنسان من غرور الدنيا والانشغال عن الموت، والدعوة إلى الاستعداد ليوم المعاد.

وليربط الباحث بين الشعر والفكر وتأثير الثاني في الأول قدم لأبيات لبشير ين عامر الفزاري أشار فيها إلى أحد الموضوعات التي طرقها الشعراء في هذه المجال: "ولا ريب أنَّ مثل ذلك القول وتلك الرؤية لا تتعارض مع الفكر الإباضي الذي يرى وجوب الاستعداد لهذا اليوم، وعدم الاغترار بالأماني، فإن من دخل النار عندهم لا يخرج منها. فيقول الشاعر:

أيُّها الغَرُّ كيف تطعم غَمضًا والمنايا يركُضنَ حولكَ رَكضَا

بادِرِ الموتَ للمعَادِ بِزادٍ صالحٍ تَلقَ ما تُحبُّ وتَرضَى

تُب إلى الله من معاصِيكَ واندَبْ عُمْرًا منك في الذنوب تَقَضَّى (ص:211)

ثم أتى بأبيات لسعيد بن خلفان الخليلي، سجل فيها بغضه للدنيا وحبَّه لله وانصرافه إليه، وقلبه ظهر المجن للدنيا؛ لأنَّ حبها وحب الله لا يستويان:

فوجَّهت وجهِي تاركًا كلَّ مظهَرٍ إلى المظهَرِ الأعلى صرفتُ عنَائِي

وخَلَّفتُ كلَّ الكائناتِ تَرَقِّيًا فعاينْتُ نُورَ الحقِّ نَصبَ عَيَانِي

فَلَم أَرَ نفسي أو شَهَدتُ ظهُورَه وأينَ الدُّجى قَد أشرَقَ القمرَانِ

بَدَا فاختَفَى كلُّ المظاهِرِ وانتَفَى سِوَاهُ فلا غَيرٌ هنالِك ثَانِ

١٢٦ / ١٤٠