مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

علَّق الباحث قائلا: إنَّ هذه النظرة الزهدية إلى الدنيا والحياة، تكتسب توجُّهها عبر نظرة سلوكية تصوفية، ارتقى بها الشاعر لتعبر عن وجهة نظره نحوها، لا سيما أنَّ ألفاظها (فعاينت نور الحق، شهدت ظهوره، بدا فاختفى) أسلوب صوفي، فيه من الإشارة الدالة على الوصول الحقيقي إلى الله سبحانه، لكن قارئ هذه الأبيات من منطلق فكري آخر عارف بمقاصد الشاعر وعقيدته، يجد أنَّ الشاعر لم يذهب إلى ذلك، فهو بعد أنَّ ترك الدنيا وراء ظهره، وأبصر الحق بشأنها، أشرقت في نفسه شمس الحقيقة، فتجلت له عظمة الله من خلال آياته، فأشرب قلبه بحبه، واختفى ما عداه، إذ لا يستحق أن يستقر في قلب المخلوق سواه. يؤكد ذلك إشارة الشاعر على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم إلى العلامة التي يستطاع بها قياس مدى استعداده للقاء ربه حيث يقول:

وقال لمن رام العلامة إنها المجا فاة عن دار الغرور بسلوان

منيبا إلى دار الخلود تأهبا ليوم نزول الموت أهبة لهفان (ص:214، 215)

اختيار الباحث هذا النموذج كان عن قصد وهدف واضح، فالشاعر من أقطاب المدرسة السلوكية في عمان، وهو ممن كثرت في شعره المصطلحات الصوفية، وهو ممن تأثر بأبي حامد الغزالي في سمات شعر السلوك والتصوف، لذا فالاستشهاد بشعره الذي يلاحظ فيه صفة التصوف، والتأكيد على أنَّ الشاعر لم يتأثر بالفكر التصوفي بالمفهوم الاصطلاحي، بل إن ما نظمه هو غير خارج عن التوجه الإباضي: فكرًا واعتقادًا وسلوكًا، يرسخ عند القارئ والدارس ارتباط الشاعر بالأصول الإباضية، ويدعم رأي الباحث أنَّ أثر الفكر الإباضي جلي وقوي في الشعر العماني.

انتقل الباحث بعد ذلك ليذكر بعض النماذج التي استعملت مصطلحات ورموزا تقرأ فيها مسحة تأملية تصوفية. عرض أبياتا لجاعد بن خميس الخرووصي، ثم علق قائلا: "وفيها نلحظ تأثر الشاعر بالبعد الفكري الإباضي في جانبه العقدي". (ص: 216)

حرص الباحث كل الحرص على نفي صفة التصوف عما قيل شعرا في هذا المجال، بل هو يراه شعرا سلوكيا؛ احتياطا من الاصطدام بالفكر الإباضي الذي لا يقر التصوف منهج حياة. لذا يقول: "وطبيعي ألاَّ نفهم التصوف أو السلوك عند الشاعر الإباضي كما هو الحال في فلسفة المنصوفة، ذلك أنَهم لا يتوقون إلى انكشاف الحقيقة الموصلة إلى التجلي الحقيقي للذات الإلهية، بقدر ما يسعون إلى التعرف إليه من خلال آياته". (ص: 216)

في الحقيقة إن هذا هو رأي الدارسين الإباضيين، الذين يفسرون كل شعر يقوله شاعر إباضي هذا التفسير (13).

سرد الباحث أبياتا لسعيد بن خلفان الخليلي، فيها جملة من المصطلحات الصوفية، من مثل (الفناء، المقامات، الذوق … ) وقال إن الشاعر أطلق عليها مقامات أهل السلوك، لا أهل التصوف. وقد انتقى الباحث هذه العبارة من هذه الأبيات ليدلل مرة أخرى على أنَّ التصوف لا ورود ولا وجود ولا مقام له في الشعر الإباضي، فضلا عن فكره.

١٢٧ / ١٤٠