قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١٢٩عرض الباحث موضوعا آخر بين من خلاله حقيقة ما بريده الشاعر الإباضي أو يقصده من سلوكه مسلك المتصوفة، من دون أن يتبنى معتقدهم. إنه موضوع مناجاة الله والجأر له بالدعاء والاعتراف بالتقصير في حقه، ومحاولة التوبة ومحاسبة النفس.
يظل الباحث مستمسكا برأيه، وهو إن الشعراء الإباضيين ينتحلون أسلوب المتصوفة، ولكنهم لا يتبنون فكرهم. يقول عن الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي: "ولتأكيد عظمة الله سبحانه وبيان توحيده وحقيقة العبودية له، فإنه ينعته بصفات الكمال وصفات التنزيه، منطلقا من فكر إسلامي أصيل في عمومه، إباضي في عقيدته". (ص: 220)
كما وقف مع أبي مسلم البهلاني وسرد بعضا من شعره الذي يُلحَظ فيه بعد صوفي سلوكي، وذكر أنَّ أغلب شعره أذكار وتوسل وابتهال ودعاء … وهو يستغرق نصف ديوانه تقريبا. لكنه نفى عنه التأثر بالفكر الصوفي في المعتقد (14).
إنَّ غاية ما يهدف إليه الباحث هو نفي أن يكون الشعراء الإباضيون قد تأثَّروا بالبعد الفكري الصوفي، فقد بقوا في حدود التأثر بالأسلوب فقط، بالرغم من وجود علاقة بين الرموز المستعملة من الجانبين، وتشابه في استعمال بعض المصطلحات و المقامات. إلا أنَّ ذلك يبقى عند الباحث منحصرا في التأثر بالأسلوب، ولا يتعداه إلى الفكر؛ لأن العقيدة عند الإباضية لا تجيز هذا النوع من الفكر. يقول: "وبذلك نلاحظ أنَّ شعراء الاتجاه السلوكي (الصوفي) من الإباضيين لم يخرجوا عن جادة الإباضية الفكرية في عمومها، بل استطاعوا أن يوظفوا معطيات الفكر الإباضي في دعواتهم ومناجاتهم، وفي تحذيرهم من الدنيا، والتخويف من الذنوب، وتزكية النفس، بما بثوه من ومضات فكرية غير مباشرة، جاءت بفعل المخزون الثقافي لهؤلاء الشعراء". (ص: 227)
إلا أنَّ المشكلة - حسب نظري - تكمن في كيفية الاهتداء إلى تفسير ما كتبه الشعراء مديحا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث نجد تأثرا واضحا بالفكر الصوفي في بعض الاستعمالات التي قد نقرأ فيها روح المعتقد الصوفي، بما يوحي به تعليق الباحث. هل هو اعتراف ضمني بالتأثر به؟ هل هو عجز منه عن إيجاد تفسير مقنع؟ هل هو عدم التمكن من القراءة الجيدة لهذا الشعر؟
وجدنا الباحث يورد أبياتا للشعراء في مدح النبي (، فيها صبغة صوفية، ترددت فيها العبارات الآتية: (العلة والمعلول، علة الكون، علة الوجود، نور الوجود وروحه … )، غير أنَّ التأويل أو التعليل لهذا المنحى وهذا التقليد يظل غائبا.
اعترف في النهاية أنَّ شعر المديح النبوي عند الشعراء الإباضيين "لا يختلف في كثير منه عن شعر المديح النبوي عند غيرهم من الفرق الإسلامية الأخرى، ولا يكاد الباحث يجد فرقا بين قصيدة مديح نبوي لشاعر إباضي وغيره، ولذلك فإنه لم يظهر أثر يذكر لخصوصية الشاعر الإباضي عن غيره في هذا المجال". (ص: 231)