الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي
الجزء ١ · صفحة ١٤لا يتصور الجزائر باعتبارها وطنا عربيا إسلاميا مفصولة عن هذين العنصرين … فالدين واللغة والوطن عناصر لشيء واحد هو الشخصية الوطنية التي لا يمكن أن ينظر إليها من جانب واحد فقط … والشيء الذي كان يدور في ذهن الإمام حين أطلق شعاره المعروف: (الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا)، هو أن الشيء الذي يُبذل في هذا المجال يجب أن يستهدف تحرير الشخصية الوطنية مما علق بها، وتخليصها من مظاهر الزيف والتشويه، وتحديد سماتها البارزة، وإعادة الاعتبار لها حتى تزدهر وتنمو، وتعود لها هيبتها وقدرتها على العطاء …
ومن ثم، فالفصل بين عناصر الشخصية الوطنية، هو نوع من الفصل المصطنع بين مكونات الشيء الواحد الذي إذا سقط منه عنصر ذهبت حقيقته، وتلاشت ماهيته" (10).
ونقدم فيما يلي، كلمة مختصرة عن كل واحدة من هذه المقومات المكونة للوحدة الوطنية في نظر ابن باديس:
أ ـ الوحدة الدينية الإسلامية:
يمثل الإسلام المقوم الأول للشخصية الوطنية الجزائرية، إذ أن هذا المقوم يعود ـ في تاريخه ـ إلى أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، دخل خلالها هذا المقوم إلى أعماق النفس الجزائرية، وسرى في الدم واللحم والعظم، وامتزج معها امتزاجا كليا .. هذا الإسلام كان دائما خلال هذا المسار التاريخي الطويل هو مظهر هذه الأمة ولباسها وهويتها التي تتمظهر بها بين الأمم وتُعرف بها بينها .. ولأجل الحفاظ على هذه الهوية ظل المجتمع الجزائري يقاوم خلال هذا المسار الطويل.
لذلك فإن الإسلام يعتبر عامل الوحدة الوطنية الأولى، إذ يملك من أسباب الجمع والتوثيق بين الأفراد الرصيد الأعظم، فتعاليمه كلها تدور حول التعاون والتآزر والتناصر والأخوة المتبادلة بين أفراد المجتمع .. تلك القيم التي من شأنها أن تزيد في ارتباط الجزائريين بعضهم ببعض، وتدعم تناغمهم وتعاونهم على النهوض بوطنهم وحماية مقومات شخصيتهم.
ولا يعني اعتبارُ ابن باديس الإسلامَ مقوم الشخصية الوطنية الأول؛ أن هذا الإسلام حكر على الجزائريين دون غيرهم، أو أن للجزائريين إسلامهم الذي يختلف عن إسلام بقية الشعوب الإسلامية الأخرى، وإنما المقصود من اعتبار ابن باديس للإسلام أحد مقومات الشخصية الوطنية، هو أن هذا الإسلام هو المنوط به حفظ هذه الشخصية "من الانحلال ومحاولات المسخ والدمار التي حاولها الاستعمار لتدمير كياننا الروحي والحضاري .. وبجعله ـ أي ابن باديس ـ الإسلام إحدى مقومات شخصيتنا، كان يهدف إلى الإبقاء على هذا الكيان الصغير ـ الجزائر ـ محفوظا سليما في هذه البقعة المتغيرة من الأرض، ضمن الكيان الإسلامي الكبير الذي لا يعرف له حدودا سوى حدود العقيدة من مطلع الشمس إلى مغربها" (11).