قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١٣١نقرأ فيما عرضه الباحث أنَّ هناك خصوصية لهذه الشكوى، تتَّصل بالفكر الإباضي، أو إنَّ الباحث لم يوضحها. لقد كان أغلب النماذج التي أتى بها، لأبي مسلم البهلاني، وفي موضوع واحد هو الشكوى من الدهر والزمان. لم نجد إشارة إلى الفكر الإباضي إلاَّ في الفقرة الآتية، التي علق بها على نص لسعيد بن خلفان الخليلي: "ويشكو الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي من ظلم الدهر له ولمجتمعه، معدِّدًا مظالمه، مبديا مآخذه عليه. وهو ينطلق من كل هذا من منطلق ديني اجتماعي، وكأنَّ الدهر كان سببا في الحيف الواقع على عيال الله، الذين استبيحت دماؤهم، وانتهبت أموالهم. والشاعر في شكواه هذه إنَّما كان يعكس حالة الظلم، بغياب العدالة تهيئة لدعوته السياسية النابعة من الفكر الإباضي". (ص: 245)
- قدسية المكان عند الشاعر الإباضي:
اختار الباحث مدينة نزوى عاصمة الإمامة وموئل العلماء، ليتخذها محورا لما كُتِب عن المكان، ونموذجا لحضوره في شعر الشعراء، ومنها انطلق ليربط مشاعر الشعراء وعواطفهم بالفكر الإباضي.
إن القارئ المتعجل لما كتب الباحث، ولما أتى به من نماذج شعرية، قد لا يوافقه على أنَّ لما سرده علاقة بموضوع أثر الفكر الإباضي في الشعر. لكن حين يعرف مكانة نزوى في تاريخ عُمَان: دينيا وعقديا وسياسيا، ويعلم دورها في تحريك الأحداث، وإثارة المشاعر، وتوليد الأفكار، ويقف على ما تحمله مدينة نزوى من مكانة في قلوب الإباضية وعقولهم … يدرك أنَّ الأثر الذي أراد الباحث أن يوقفنا عليه موجود فعلا. هو غير مصرح به، ولا هو ظاهر، هو مبطن ومضمن في المشاعر التي أبداها الشعراء فيما نظموه عن نزوى. فإذا وصفوا هذه المدينة وصفوها بشعور مرتبط بالفكر الإباضي، وإذا مدحوا شخصا فلأنه يحمل بين جنبيه إحساسه بهذا الفكر، وإذا نعوا أو ذموا فإنهم يقصدون من يناهض هذا الفكر، وإذا تحسروا على شيء فإنهم يتأسفون من المساس بهذا الفكر. من هنا فإن الحديث عن قدسية المكان (نزوى) حديث عن الفكر الإباضي.
قال الباحث: "وعليه نفهم سرَّ ارتباط الشاعر الإباضي بها، عموما، ومدينة نزوى خصوصا، حيث ارتبطت هذه المدينة برجال كان لهم دورهم الواضح سياسيا وعلميا، لأنها كانت عاصمة الإمامة العمانية منذ القرن الثاني للهجرة سنة (192هـ) أي منذ عهد الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (ت 207هـ)، وتعاقب على أرضها أئمة عدول". (ص: 252،151).
لقد خاطب الشعراء مدينة نزوى، مسجلين أمجادها وتاريخها ودورها الكبير في نشر المذهب الإباضي، وتسجيل مسيرته، وإظهار حقيقته، فارتبطت المدينة عندهم بمعاني الجلال والعظمة، ونصاعة الفكر وصفاء العقيدة. قال الباحث عن أبي مسلم البهلاني وما نظمه عن نزوى: "وعلى رأس هؤلاء الشعراء أبو مسلم البهلاني، الذي خصها بأبيات طويلة، تفيض عذوبة، اختلطت فيها عاطفة الشاعر الإيمانية بعاطفته الوطنية، حين أصبحت عنده رمزا من رموز الوطن، وموئلا