مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٣٢

للمذهب، وشكلت حينها جانبا من جوانب الاستقلال والحرية والعدالة، فاكتسبت بعدا تاريخيا وبعدا دينيا وبعدا مكانيا وبعدا وطنيا". (ص: 252)

فنزوى مليئة بعبق التاريخ، مرتبطة بالعقيدة التي تحكم الإباضية، فالحديث عنها يثير المشاعر ويلهب الحماسة، ويحكم الرباط بين الأجيال التي تنتمي أصول إلى واحدة. فلا غرو إذا خصها الشاعر بأبيات متميزة. قال من جملة ما قال في قصيدته "الفتح والرضوان":

وافرِق بها البيدَ حتَّى تَستبِينَ لهَا فرقٌ على بيضَةِ الإسلام عُنوانُ

فإن تيامنتِ الحوراءُ شاخصة لها مع السُّحْبِ أكنافٌ وأحضان

فحُط رَحلَك عنها إنَّها بلغَت نزوى وطافَت بِها للمجد أركانُ

انزِل فديتُكَ عنها إنَّ حاجَتَها عدلٌ وفضلٌ وإنصافٌ وإحسانُ

انزِل فديتُكَ عنها إنَّ وجهَتَهَا تختُ الأئمَّة مُذ كانت ومُذ كانُوا

هنالِك انزل وقبِّل تُربةً نَبتَت بها الخلافةُ والإيمانُ إيمانُ

انزل علَى عرصَاتٍ كلُّها قدسٌ للحقِّ فيهنَّ أزهارٌ وأفنانُ

انزل علَى عَذَباتِ النورِ حيثُ حَوَتْ أئمَّة الدين قيعانٌ وظُهرانُ

أرضُ مقدَّسةٌ قد بُوركت وزكَتْ تنصب فيها من الأنوارِ معنانُ (ص: 253)

في هذه الأبيات التي استشهد بها الباحث، أراد أن يدلِّل على القدسية التي أحاط بها أبو مسلم البهلاني مدينة نزوى، الرمز على الأصالة والتاريخ والعقيدة. والمدينة التي تهيج العواطف والمشاعر وتستنهض الهمم. المكان الذي يثير الذكريات. قال معلقا على هذه اللوحة التي رسمها الشاعر لمدينة نزوى؛ مركزا على البعد الذي تدل عليه رموز أبي مسلم: "لأن المكان شكل عاصمة لنظام أشبه بالخلافة الراشدة، وهي الإمامة الإباضية، مشبها نزوى بالتربة والخلافة بالشجرة التي نبتت في ظلها، ورست بجذورها في قعرها. وزاد الأمر وضوحا حين أشار إلى أنَّ قدسية المكان تستمد مما حواه باطنه وظاهره من أئمة عظام". (ص: 254)

المهم إنَّ الباحث قد وفق في الربط بين المكان والفكر، بِبَيان الأثر الذي تركه الثاني في شعر الشعراء؛ من حيث وصف المكان؛ انطلاقا من توجهات فكرية، وصدورًا عن عقيدة، تعطي لهذا الوصف ميزة خاصة وتمنحه صبغة متميزة.

- الفصل الخامس: السمات الفنية:

- التجربة وأثر الفكر فيها:

لا شك أنَّ التجربة الشعرية تتأثر - من جملة ما تتأثر به - المكونُ الثقافي والوضع الاجتماعي والسياسي والنفسي. من هنا حاول الباحث أن يربط التجربة عند الشعراء الإباضيين بالفكر الذي يصدرون عنه؛ رغم أنَّ هذا الأثر لا يمكن حصره أو محاصرته في الشعر بشكل جيد إلا عن طريق تفسير بعض التصرفات أو بعض التوجهات، أو تأويل بعض التجارب والتعبيرات.

١٣١ / ١٤٠