قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١٣٣لهذا فإننا نجد في تحليل الباحث عبارات تشي بذلك، كقوله وهو يحلل بعض النماذج أو بعض المحاولات (التفاعل مع الواقع، المشاركة الوجدانية حين عزت المشاركة الفعلية، بعث همم قومه وبني مذهبه، بعث الحياة في النفوس، إحياء معالم الإمامة … )
كلُّ هذه التعبيرات توحي وتفسر ارتباط الشعراء بالفكر، وتأثرهم به، وتكشف عن الحرص على البقاء أوفياء لهذه الأصول قولا وعملا. لهذا كان علينا أنَّ نقبل ما أتى به الباحث دليلا على أثر الفكر في الشعر. قال: "إن التجربة الشعرية عند الشعراء الإباضيين عموما مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحياة ومشاكلها، والمجتمع وإفرازاته، وهي وثيقة الصلة بالانتماء الفكري المتجذر في نفس الشاعر، المتصل بعقيدته التي أوجدت لديه نوعا من التلازم بين الفن والعقيدة كما قرره الدكتور إحسان عباس" (16). (ص:262)
سَوقًا للدليل على ارتباط التجربة الشعرية بالفكر الإباضي والالتزام به، والإعلان عن التأثر به، يذكر أشعارا لسعيد بن أحمد الكندي: "ومن الشعراء الإباضيين الذين نقلوا تجاربهم بكل صراحة ووضوح وصدق فني الشاعر سعيد بن أحمد الكندي، فقد نطق شعره عن رؤيته إلى الأحداث متحرِّرًا من قيود التبعات، على الرغم من إحاطتها به، فتستثيره حادثة سقوط نظام سياسي إباضي معروف بالإمامة في عمان عام 1956م. فتكون هذه الحادثة أحد روافد تجربته الشعرية، فينشئ قصيدة تعبر عن عمق الموقف، وتصور رؤيته حيال ذلك؛ نادبا عصره، داعيا على كل من كان السبب في إطفاء ذلك النور كما يقول:
فلنصبرن على الزمان وصرفه فالحر يصبر للملم النازل
ولنشربن حلو الزمان ومره من حالتيه بجائر أو عادل
ولنندبن عصر الإمام وعدله ولى بأمته كظل زائل
ولنبكين نور الإمامة والهدى ولى بزهرته كبدر آفل
يا قاتل الله الذين سعوا إلى إطفائه جهدا بكل وسائل
يا قاتل الله الذين تظافروا لزوال نعمته بنيل عاجل
يا قاتل الله الذين تظاهروا إن لم يفيئوا بالمتاب الشامل (ص:267، 268)
ثم جاء بنموذج من شعر أبي سلام سليمان بن سعيد الكندي، تحدث فيه عن أسفه لتقاعس قومه، وتخاذل بعض القيادات والعلماء عن القيام بواجبهم الديني، وعاب عليهم الارتماء في وحل المادة، والجري وراء الثروة؛ ليعيشوا بها بين الناس موسرين:
فأواه واحزناه ذو العلم أصبحوا بذا الدهر لا يرضون إلا تقهقرا (ص: 269)
كما اتخذ من شعر أبي مسلم البهلاني دليلا على ارتباط الشاعر الإباضي بأصوله، وحجة على تأثير الفكر في الشعر. هذا الشعر الذي تميز بالحماسة الكبيرة والعاطفة الصادقة، والاستنهاض الشامل،