قراءة في كتاب أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١٣٤والدفاع المستميت عن الأصول. قال الباحث: "إن شعر أبي مسلم في أغلبه يشكل جانبا من جوانب شخصيته، وتتمثل فيه تجربته الشعورية، فهو إن رثى بدت حرارة الفقد في ألفاظه وطريقة أسلوبه، وإن حمس واستنهض نجد أنَّ كلماته تنبع من حنايا قلبه، وإن دافع عن عقيدته نجد أنَّ الشاعر يدافع عنها دفاع المؤمن بقضيته المقتنع بمذهبه، وكأن كل كلمة يقولها إنما هي فيض من أحاسيسه". (ص:171)
في الحقيقة إن كل كلمة يقولها أبو مسلم هي فيض من أحاسيسه. يؤكد الباحث أنَّ تجربة الشاعر متميزة في هذا المجال، تشكل المعطيات التاريخية أحد جوانبها. إنها تعكس بصدق ووضوح قناعاته الفكرية التي لا تمتاح إلا من مصدر إباضي: "لقد شكلت تجربته انعكاسا حقيقيا للفكر الإباضي، وتجليا للثقافة التي كونت شاعريته، ممتزجة مع معاناته، فقد عبرت قصائده الحماسية الأربع عن تجربة عميقة ودراسة واعية لمسار الفكر الإباضي، يعدها العمانيون من غرر قصائد الحماسة والاستنهاض، وهي النونية والميمية والعينية والمقصورة. وهي قصائد في مجموعها تعبر عن مدى تفاعل الشاعر مع الأحداث التي جرت في عمان، وأدت إلى بعث نظام سياسي كان السالمي عمدة إحيائه". (ص: 272)
نقرأ في الفقرة الآتية التي ختم بها الباحث هذا المبحث أنَّ الأثر في التجربة الشعرية لم يظهر في الأفكار التي جاءت في شعر الشعراء، إنما هي تستنتج من ردود الأفعال التي تثيرها الأحداث والواقعات والعوامل التي تستثير الشعراء؛ لينظموا شعرا ينسجم مع الفكر الإباضي: "وبذلك بمكن القول عبر الأمثلة المحدودة التي وردت في هذا المبحث أنَّ الشعراء الإباضيين قد عبروا عن فكرهم بما ينبئ عن تجربة حقيقية وإحساس صادق، شكلت الأحداث وتداعيات الظروف السياسية والاجتماعية أحد أبرز إلهامات الشعراء واستثاراتهم بها، وجاء شعرهم منتميا إلى جماعة فكرية، مندغما مع الماضي، يجمع بين هموم الأمة ومتطلبات التعبير عن الذات". (ص: 274)
- بناء القصيدة:
لا نقرأ في هذا المبحث خصوصية أو أثرا للفكر الإباضي، ولا نجد في تحليل الباحث ما يكشف عن هذا الأثر إلاَّ عبارات إنشائية مؤسسة لمحاولة إقناع القارئ بأن للبناء علاقة بالفكر. وما نقرؤه في تعليقاته يشير إلى المضمون، وليس إلى البناء، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في المباحث السابقة.
حاول الباحث الربط بين عناوين بعض القصائد والمضامين أو الموضوعات ليوجد علاقة بين البناء والفكر، وبين الاستهلال وأجزاء القصيدة. وهي علاقة تنطبق على أي عمل شعري، ولا يخص الفكر الإباضي.
إنَّ ما عده الباحث تأثرا بالفكر الإباضي في فصل السمات الفنية، لا يعدو ما ذكره قبل في الجانب الفكري، بمعنى آخر إن التأثر كان في المعاني والأفكار، وليس في الجانب الفني، إذ لا خصوصية للفكر الإباضي في هذا المجال.