الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي
الجزء ١ · صفحة ١٥لذلك نجد ابن باديس يدعو الشعب الجزائري إلى الالتفاف حول جمعيته، باعتبارها العاملة على الحفاظ على إسلامه وعروبته وسائر مقوماته، ويحذره من الاستماع إلى أولئك الذين ينعقون في كل مكان متهمين الجمعية بما ليس فيها من أوصاف ومحملين لها ما لم تقترفه من الأعمال. فيقول:
"أيها الشعب الجزائري الكريم ..
قد بينت لك جمعيتك حقيقة الموقف وحرجه، وكشفت لك شيئا مما تعانيه أنت وتعانيه هي من الأقرباء والبعداء، وهي تدعوك إلى التبصر والتثبت والاتحاد والتجمع والتنبه والتيقظ، وتحثك على الاعتماد على الله وحده، ثم على نفسك والصادقين من أبنائك، وما الصادقون إلا الذين يحافظون بأقوالهم وأعمالهم ومواقفهم على إسلامك وعروبتك وجميع مقوماتك، ويناضلون بالنفس والنفيس عن جميع حقوقك" (12).
إن الإسلام، إذن، هو المصل الواقي الذي يقي مجتمعنا الجزائري ويلات التشتت والانهيار، ويساهم في استمرار الشعور الجمعي بالوحدة بين أفراد المجتمع الجزائري، استمرارا متصاعدا، يقوى ويترسخ مع مر الأيام.
لذلك وجدنا ابن باديس رحمه الله، وهو يؤدي عمله الإصلاحي في واقع المجتمع الجزائري، يحرص على استمداد منهجه في العمل من تعاليم الإسلام ووصاياه، ويقول رحمه الله في تعليل اختياره للمنهج الديني في الإصلاح:
"إننا اخترنا الخطة الدينية على غيرها، عن علم وبصيرة، وتمسكا بما هو مناسب لفطرتنا وتربيتنا من النصح والإرشاد، وبث الخير والثبات على وجه واحد والسير في خط مستقيم. وما كنا لنجد هذا كله إلا فيما تفرغنا له، من خدمة العلم والدين، وفي خدمتهما أعظم خدمة وأنفعها للإنسانية عامة" (13).
ب - الوحدة اللغوية:
وكما يمثل الإسلام عاملا من عوامل الوحدة الوطنية ومقوماتها، فإن اللغة العربية لا تقل أهمية في هذا الإطار، إذ تضيف إليه عاملا آخر يزيد في قيمته وقوته، فهذا الإسلام نفسه لا يمكن فهم نصوصه وإدراك تعاليمه إلا بتعلم هذه اللغة وإتقان فهمها والحديث بها. ويبرز ابن باديس دور اللغة في توحيد كيان الأمة، فيقول: " … تكاد لا تخلص أمة من الأمم لعرق واحد، وتكاد لا تكون أمة من الأمم لا تتكلم بلسان واحد، فليس الذي يكون الأمة ويربط أجزاءها ويوحد شعورها ويوجهها إلى غايتها هو هبوطها من سلالة واحدة، وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد".
فاللغة العربية هي العامل الجامع بين الجزائريين على اختلاف أعراقهم وتنوع لهجاتهم، وبها وحدها يستطيعون أن يتفاهموا ويتخاطبوا فيما بينهم، دون أن يضطر أي منهم إلى أن يسأل الآخر عما يقصده من حديثه.