الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي
الجزء ١ · صفحة ١٦وهذه اللغة، إلى جانب الإسلام، هي العامل الذي يجمع ماضي الجزائر وحاضرها ومستقبلها. يقول ابن باديس في هذا الصدد:
"لا رابطة تربط ماضينا المجيد بحاضرنا الأغر والمستقبل السعيد، إلا هذا الحبل المتين: اللغة العربية، لغة الدين، لغة الجنس، لغة القومية، لغة الوطنية المغروسة .. إنها وحدها الرابطة بيننا، وبين ماضينا، وهي وحدها المقياس الذي نقيس به أرواحنا بأرواح أسلافنا، وبها يقيس من يأتي بعدنا من أبنائنا وأحفادنا الغر الميامين أرواحهم بأرواحنا، وهي وحدها اللسان الذي نعتز به، وهي الترجمان عما في النفس من آلام وآمال" (14).
فاللغة العربية ـ في نظر ابن باديس ـ تمثل التاريخ الذي نسج حياة الجزائر الثقافية، ومزج بين عناصرها، وصنع من ذلك كله كيانا واحدا موحدا أبوه الإسلام وأمه الجزائر ولسانه العربية، ولا يمكن لهذا المجتمع إلا أن ينظر إلى اللغة العربية على أنها تاريخه الحي الذي يطلعه على تراثه ويصله بجهود أمته وجهادها (15).
ولا يرى ابن باديس أي تعارض بين أن يكون الجزائري أمازيغيا، وأن يكون لسانه ناطقا باللغة العربية، بل إنه يعتبر هذا دليلا على أصالة الشعب الجزائري وارتباطه الوثيق بعقيدته الإسلامية ولغته العربية.
فالشعب الجزائري، وإن كان يتكون من أكثر من عنصر إنساني، إلا أن الامتزاج التام بين هذه العناصر منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، والاتحاد الحاصل في العقيدة واللسان يقطع الطريق على كل متقول أو شاك في عروبة الجزائر ووحدتها اللغوية، وينفي كل زعم يحاول صاحبه تفتيت هذه الوحدة (16).
ولدحض كل الشبهات والأقاويل، يورد ابن باديس الحديث الشريف الذي يقول: (ليست العربية بأحدكم من أب أو أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي) (17) .. وسبب ورود الحديث أن أحد المنافقين نفى العربية عن سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي رضي الله عنهم جميعا (18) .. وهكذا فالجزائريون جميعا عرب بمقتضى كونهم مسلمين أولا، وبمقتضى نطقهم بلغة دينهم العربية ثانيا.
إن ابن باديس بهذا يفند محاولات أولئك الذين يعملون اليوم على انتقاص المساحة التي تتحرك عليها اللغة العربية من كل أطرافها، إن على الصعيد الاجتماعي أو الصعيد الإداري، بدعوى العمل على التمكين للأمازيغية .. وهم في الحقيقة لا يريدون إلا أن يمكنوا للغة الفرنسية، لغة الاستعمار والمستعمرين، أما الأمازيغية المسكينة فليست سوى قميص عثمان الذي يستعمل للدعوى والاعتراض .. وقد دلت كل أعمال وأقوال هؤلاء على هذه الحقيقة الساطعة، التي تتجلى على ألسنتهم حين يتحدثون إلى شعب عربي أمازيغى بلغة فرنسية، فهل شعبنا الأمازيغي يفهم الفرنسية ولا يفهم العربية؟!! ..