مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي

الجزء ١ · صفحة ١٧

ج ـ وحدة الموطن:

فالجزائريون يشتركون في انتمائهم جميعا إلى وطن واحد هو الجزائر، وهذه الوحدة في الانتماء تكفي في إنهاء كل أسباب التفريق والتمييز فيما بينهم، وتسهم في ربط أواصر اللقاء والتعاون بين شرائحهم.

ولقد رأى ابن باديس أنه لتأجيج الشعور بالوحدة الوطنية بين الجزائريين، ينبغي تأجيج الشعور قبل ذلك بوحدة الانتماء إلى الوطن الواحد والأرض الواحدة وإن اتسعت أطرافها وامتدت مناطقها. لذلك كان الشيخ رحمه الله لا يفتأ يذكر طلبته الذين كانوا يُقبلون من مختلف مناطق الجزائر، بضرورة التعارف والتفاهم والتعاون حتى يربوا على ذلك أبناءهم وتلامذتهم عندما يكونون معلمين، وقد قال لطلبته يوما:

"إن وطننا الجزائر واسع الأطراف، متعدد المناطق والبيئات، حتى كاد يستقل بعضها عن بعض، فوجب علينا أن نربط بين حاضرته وباديته بما لدينا من وسائل الاتصال حتى نقرب بينها تقريبا يجعل المواطنين يتعارفون ويتعاونون كأبناء وطن واحد. وإن من جملة الوسائل التي تساعد على تحقيق هذا الهدف في مطلع نهضتنا العلمية؛ هذه الحلقاتُ التي استطاعت بفضل الله أن تجمعكم من عدة جهات، لا فرق بين من قدِموا إليها من الحواضر وبين من قدِموا من البوادي، وإني لأكون فرحا مغتبطا حينما ألتفت حولي فأجد أبناء الصحراء بجنب أبناء الجبال وأبناء الحاضرة بجنب أبناء البادية، والجميع قد جمعتهم هذه الحلقات العلمية في صعيد واحد، لا فضل لأي منهم على الآخر إلا بالاجتهاد والعمل" (19).

ولا يكتفي الإمام ابن باديس بتأكيد أسباب اللقاء بين الجزائريين من خلال اجتماعهم في موطن واحد، بل يضيف إلى ذلك العمل على غرس حب هذا الوطن في النفوس حتى تشب على الإحساس بالواجب تجاهه وتعمل مشتركة متعاونة على حمايته والحفاظ عليه.

ومن كلماته في هذا الإطار:

"إنما ينسب للوطن أفرادُهُ الذين ربطتهم ذكريات الماضي ومصالح الحاضر وآمال المستقبل، والنسبة للوطن توجب علم تاريخه، والقيام بواجباته، من نهضة علمية واقتصادية وعمرانية، والمحافظة على شرف اسمه وسمعة بنيه، فلا شرف لمن لا يحافظ على شرف وطنه، ولا سمعة لمن لا سمعة لقومه" (20).

وقد أعطى ابن باديس المثل من نفسه حين أعلن أنه يعيش للإسلام وللجزائر، فقال:

"أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص، وتفرض علي تلك الروابط لأجله ـ كجزء منه ـ فروضا خاصة، وأنا أشعر بأن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة. فأرى من الواجب أن تكون خدماتي أول ما تتصل به من

١٧ / ١٤٠