مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي

الجزء ١ · صفحة ١٨

شيء تتصل به مباشرة. وكما أنني كلما أردت أن أعمل عملا وجدتُني في حاجة إليه، إلى رجاله، وإلى ماله، والى حاله، وإلى آلامه، وإلى آماله، كذلك أجدني إذا عملت قد خدمت بعملي ناحية أو أكثر مما كنت في حاجة إليه" (21).

ولا يعني هذا أن ابن باديس رجل متعصب لبني قومه، غافل عن بني أمته الآخرين، منغلق على وطنه الصغير المحدود الجزائر، دون وطنه الكبير وطن الإسلام والمسلمين .. فالرجل لم يكن يخدم وطنه فحسب، وإنما كان يريد أن يخدم الإنسانية كلها لو استطاع، ولكنه رأى أن الطريق إلى ذلك إنما تبدأ من خدمة وطنه وبني قومه، ثم إن تمكن بعد ذلك مد عمله ليشمل الإنسانية كلها في مختلف شعوبها وأقطارها. يقول ابن باديس في هذا الشأن:

"الإخلاص أن تعمل لوطنك ولو أنكرك وأنكر عملك أبناءُ وطنك، وتكريسُ العمل أن تكون جميع أعمالك عائدة بالخير على وطنك، فتستطيع أن تنفع الناس كلهم دون أن تضر بوطنك، فتكون قد خدمت وطنك بما زرعت له من محبة في قلوب من أحسنت إليهم من الناس .. فحِبَّ وطنك ولا تُبغض أوطان الناس، انفع وطنك ولا تضر أوطانا أخرى، بل اجتهد لأن تكون مصدر محبة شاملة ونفع عام" (22).

إن هذه الروح الوطنية الدافقة التي كان يفيض بها قلب ابن باديس وتظهر في سلوكاته وتصرفاته ودعواته في دروسه ومحاضراته، هي التي نفتقد إليها اليوم في حركتنا الحياتية داخل هذا الوطن الكبير الذي نعيش فيه، فلقد انعدمت هذه الروح من النفوس أو تكاد، وأصبح هم كل واحد هو العمل لما فيه مصلحته الخاصة، والسعي بكل وسيلة لتحقيقها وتحصيلها، دون النظر إلى ما يمكن أن ينتج عن ذلك من هدم للمصلحة الوطنية العامة .. والخطر كل الخطر في تضخم الـ"أنا" الفردي على حساب الـ"نحن" الجماعي، لأن الفردية لا تصنع إنسانا سويا، بقدر ما تحوله إلى وحش كاسر لا يلوي في سبيل تحقيق مصلحته الخاصة على شيء.

د ـ التاريخ المشترك:

تجمع بين الجزائريين ذكريات تاريخية مشتركة تعود إلى مئات السنين .. ذكريات عايشوا معها السراء والضراء، وكانوا في الحالين دائما مشتركين، متآزرين متعاونين .. وأعظم هذه الذكريات تلك التي جمعتهم على الدفاع عن بلادهم والمنافحة عن مقومات شخصيتهم، في وجه الحملات العدائية التي ظلت تُشن على الجزائر عبر التاريخ، مستهدفة تحطيم كيانها والاستيلاء على خيراتها، وإنهاء وجودها التاريخي والحضاري.

لذلك فإن هذه الذكريات تمثل عامل جمع وتوحيد، وينبغي على الجزائريين أن يتخذوا منها وسيلة إلى بناء حاضر مشترك ينعمون فيه جميعا بالخير والرفاهية، ويأملون معا في مستقبل مشترك يجمعهم أيضا على الخير والسعادة.

ويعتبر ابن باديس أن الذكريات التي جمعت الجزائريين هي تلك المتصلة بالإسلام والعربية، فمنذ أن

١٨ / ١٤٠