الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي
الجزء ١ · صفحة ١٩دخل الإسلام هذه الأرض، ومنذ أن نطقت ألسنة البربر بالعربية، منذ ذلك الحين بدأ تشكل الكيان الجزائري الذي انتهى إلى ما هو عليه الآن.
ولا يعني هذا أن ابن باديس يقول بذوبان أمازيغية الشعب الجزائري ضمن العروبة، فهو "يؤكد أنه ليس هناك من ينكر أن الأمة الجزائرية "كانت أمازيغية من قديم عهدها"، وأن جميع الأمم التي اتصلت بها لم تستطع "أن تقلبها عن كيانها" ولم "تخرج بها عن أمازيغيتها أو تدمجها في عنصرها، بل كانت هي التي تبتلع الفاتحين فينقلبون إليها ويصبحون كسائر أبنائها".
فهو يقرر الأصل البربري الأمازيغي للجزائر، دون أن يحاول إنكاره أو تجاهله كما يفعل الآخرون، إلا أنه لا يلبث أن يقرر حقيقة أخرى لا يستطيع أن ينكرها أيضا، وهي أن الأمازيغ من أبناء الوطن الواحد دخلوا "في الإسلام وتعلموا لغة الإسلام العربية طائعين، فوجدوا أبواب التقدم في الحياة كلها مفتوحة في وجوههم، فامتزجوا بالعرب بالمصاهرة، وقاسموهم في مجالس العلم وشاطروهم في سياسة الملك وقيادة الجيوش، وقاسموهم كل مرافق الحياة، فأقام الجميع صرح الحضارة الإسلامية". وهكذا أصبحوا شعبا واحدا "متحدا غاية الاتحاد، ممتزجا غاية الامتزاج، وأي افتراق يبقى بعد أن اتحد الفؤاد واتحد اللسان".
وهكذا يحلل ابن باديس التفاعل الذي تحقق من امتزاج العرب والبربر في ظل الإسلام، ويؤكد بصريح العبارة مساهمة الأمازيغ إلى جنب العرب في بناء صرح الحضارة الإسلامية، فاستحقوا بنوتها على قدم المساواة دون تفرقة أو تمييز" (23) ..
إن هذه الجوانب الإيجابية في الماضي، والتي تجمع الجزائريين جميعا، بل وتمثل مناط فخرهم وعزتهم، هي التي يدعو ابن باديس إلى التمسك بها وذكرها وتربية الأبناء عليها، حتى تتوطد أركان الوحدة بين الجزائريين ويكونوا يدا واحدة في بناء وطنهم ومواجهة أعدائهم.
أما تلك الدعوات المشبوهة التي كانت في زمن ابن باديس ولا زال صوتها يعلو إلى اليوم، والتي تعمل على بث أسباب الفرقة والشقاق بين العرب والبربر، من خلال اعتبار العرب غزاة محتلين، والأمازيغ مضطَهَدين مقهورين، فهي دعوات لا هدف لها في الحقيقة إلا الدعوة إلى رفض ما جاء به العرب معهم ألا وهو الإسلام الذي يدين به كافة أفراد المجتمع الجزائري على تنوع أعراقهم واختلاف أجناسهم، واللغة العربية التي هي اللسان الجامع بينهم ..
هـ ـ وحدة المصير:
وكما أن الجزائريين ينتمون إلى موطن واحد، هم مطالبون بالمحافظة عليه وحمايته من كل دخيل، وكما يجمعهم أيضا تاريخ واحد ينبغي عليهم تذكره واستحضاره، فهم كذلك يشتركون في وحدة المصير الذي يجمعهم، فما يصيب شبرا من أرض الجزائر يلتزم كافة الجزائريين بالدفاع عنه، لأن كل واحد منهم يعتبر مسؤولا عنه إلى جانب غيره من بقية الجزائريين .. وما يصيب فريقا من