مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي

الجزء ١ · صفحة ٢٠

الجزائريين، يكون بقيتهم مطالبين بالشعور بالألم لألمه، وبواجب النهوض لحمايته ونصرته .. فمصير الجزائريين جميعا واحد، وما قد يتهدد طرفا من بلادهم أو أبناء جهة من جهات وطنهم، هو بالضرورة يتهدد بقية الأطراف وسائر أبناء الجهات الجزائرية الأخرى.

فوحدة المصير بين الجزائريين توجب عليهم أن يوجهوا جهودهم إلى إعداد العدة اللازمة للدفاع عن دينهم ولغتهم ووطنهم، لحماية كل ذلك من أي عدو محتمل. وذلك لا يتأتى إلا بوحدتهم التي هي السد المنيع والحصن الحصين في وجه كل الأطماع التي تستهدف إضعاف الصف الوطني وإثارة الفتن والخصومات بين أبناء الوطن.

وإننا لنفهم هذا من كلام ابن باديس في كلمته إلى أعضاء لجنة المؤتمر الإسلامي، حيث قال:

"لا أعرف من معنى المؤتمر الإسلامي الجزائري، إلا أنه اتحاد جميع العناصر الجزائرية للمطالبة بالحقوق الواجبة لها على فرنسا … والمحافظة على المقومات اللازمة لها كأمة عربية مسلمة. وعلى هذه العقيدة دعوت للمؤتمر، وعليها عملت فيه، وعليها سأبقى عاملا فيه" (24).

فلا يهم أن يختلف الجزائريون فيما بينهم حول بعض القضايا المتعلقة بشؤونهم الخاصة، لكن المهم والأهم أن يكونوا يدا واحدة إذا تعلق الأمر بحقوقهم وحقوق دينهم ولغتهم ووطنهم، إذا ما تعرض شيء من ذلك للخطر والعدوان .. والخطر كل الخطر يكمن في الاشتغال بالصراع حول المسائل الجزئية البسيطة، والغفلة عن القضايا المصيرية المشتركة التي هي فعلا أسباب الأخوة والاتحاد والتعاون بين الجزائريين.

4 ـ جهود ابن باديس في سبيل المحافظة على الوحدة الوطنية:

إذا كان اهتمام ابن باديس بالوحدة الوطنية إنما يندرج ضمن اهتماماته الإصلاحية الكبرى، فإن جهوده في مجال حماية الوحدة الوطنية، تندرج هي الأخرى ضمن جهوده لتحقيق هدفه الأكبر، فكل جهد قدمه الرجل في إطار عمله الإصلاحي هو بالضرورة جهد لحماية الوحدة الوطنية والمحافظة عليها، والعكس صحيح. لكن إذا أردنا أن نخصص، فيمكن أن نشير إلى بعض المجالات التي انصبت فيها جهود الشيخ حول الحفاظ على الوحدة الوطنية خاصة، ومنها:

أ ـ الوقوف في وجه المحاولات الاستعمارية الهادفة إلى زعزعة الوحدة الوطنية:

كثيرا ما حاول الاستعمار الفرنسي ـ ولا يزال ـ زرع بذور الخلاف والشقاق بين العناصر المختلفة المكونة للشعب الجزائري، فقد قسم هذا الشعب في البدء إلى قسمين: عربا وبربرا، وأجرى الدراسات "الفيزيولوجية" على البربر، وادعى بأنهم يشبهون في تكوينهم شعوب الغاليين، أسلاف الفرنسيين، وحاول إعادتهم إلى "أصلهم التاريخي" في زعمه، عن طريق فصل مناطقهم عن المناطق الجزائرية الأخرى، بسلسلة من الأنظمة والقوانين، وشجع عمليات فرنستهم وتنصيرهم، ولكنه فشل في محاولته، كما فشل أيضا في إذكاء التقسيمات العشائرية بين البربر أنفسهم، وذلك

٢٠ / ١٤٠