مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي

الجزء ١ · صفحة ٢١

عندما وضع نظاما خاصا لكل وحدة عشائرية أو كل طائفة مذهبية من الوحدات العشائرية البربرية المعروفة في الجزائر، وهي: القبائل، الشاوية، الطوارق، والميزاب (25).

وقد تصدى ابن باديس لهذه المحاولات، وأكد على ضرورة تمسك الشعب بعروبته وإسلاميته، فذلك كفيل بإفشال هذه المحاولات وردها في نحور أصحابها. لذلك سعى ـ رحمه الله ـ إلى توحيد الشعب الجزائري كله وراء هدف واضح ومحدد، على أساس من رابطة الدين والعروبة. وقد تمكن الإمام أن يوحد صفوف الشعب ويكتل قواه الحية من أجل المحافظة على وحدته الوطنية من ناحية، وإفساد أهداف الاستعمار في بذر بذور الخلاف والشقاق بين الجزائريين من ناحية أخرى، وقد حقق هذا الهدف عن طريق التربية الإسلامية التي نشرها في طول الجزائر وعرضها، وهي التربية التي ظلت فرنسا تحاربها باعتبارها تمثل الخطر الأكبر على مستقبلها في الجزائر (26).

وكما وقف ابن باديس في وجه محاولات الاستعمار لهدم الوحدة الوطنية، فقد وقف كذلك سدا منيعا أمام بعض أذناب الاستعمار الذين حاولوا بث التفرقة بين الجزائريين عن طريق إثارة النعرات العرقية، فكتب يوما منددا بأحد دعاة التفرقة، ومدافعا عن وحدة الشعب، قائلا: "إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا أمه الجزائر وأبوه الإسلام، وقد كتب أبناء يعرب وأبناء مازيغ آيات اتحادهم على صفحات هذه القرون بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشرف لإعلاء كلمة الله، وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة العلم .. فأي قوة بعد هذا يقول عاقل تستطيع أن تفرقهم؟ لولا الظنون الكواذب، والأماني الخوادع، ياعجبا لم يفترقوا وهم الأقوياء، فكيف يفترقون وغيرهم القوي، كلا والله، بل لا تزيد كل محاولة للتفريق بينهم إلا شدة في اتحادهم وقوة لرابطتهم" (27).

فالذي يجمع الجزائريين أكثر مما يفرقهم .. إن الذي يجمعهم هو مقومات ومميزات جنسيتهم ووطنيتهم التي لا يستطيع أحد محوها أو التأثير عليها. وفي هذا يقول:

"نحن الأمة الجزائرية لنا جميع المقومات والمميزات لجنسيتنا القومية، وقد دلت تجارب الزمان والأحوال على أننا أشد الناس محافظة على هذه الجنسية القومية، وأننا ما زدنا على الزمان إلا قوة فيها وتشبثا بأهدابها، وأنه من المستحيل إضعافنا فيها، فضلا عن إدماجنا أو محونا" (28).

ب ـ العمل على توحيد الشعائر الدينية:

لا يكتفي ابن باديس بهذا التأكيد على وحدة الشعب الجزائري ومواجهة المتنكرين لها، بل يعمل أيضا على تحقيق الوحدة الدينية بينهم من خلال توحيد الشعائر الدينية، وخاصة منها فريضة الصيام، وذلك من خلال استنكار مظاهر التفرقة التي كانت تظهر مع إقبال شهر رمضان من كل

٢١ / ١٤٠