مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي

الجزء ١ · صفحة ٢٢

عام. وقد كتب يوما يخاطب المسلمين الجزائريين بعد أن استفحل بينهم الخلاف في شأن رؤية هلال رمضان، حيث كان بعضهم يصبح صائما والبعض الآخر يصبح مفطرا، سواء في أول شهر رمضان أو في آخره، مما جر إلى إثارة بعض النزاعات بين المسلمين في هذا الشأن، وكان مما قاله رحمه الله:

"إن الخلاف كله شر، وشره ما كان في الدين، وأشنع أنواعه وآلمها لكل ذي غيرة على دينه ما يقع كل عام بهذه الديار من اختلافكم في الصوم والإفطار …

إن مسألة الصوم والإفطار خرجت عندنا من باب الاعتبار الديني إلى باب التعصب الشخصي أو الحزبي، ومن آيات ذلك أن أصبحنا نرى في هذه الأمة من يصوم لأن فلانا مفطر، ومن يفطر لأن فلانا صائم. ومن القبيح الشنيع أن نجعل الدين ـ الذي هو مناط وحدتنا ومعقد ارتباطنا ـ موضوع اختلافنا ودائرة تفرقنا وسبب تفكك رابطتنا …

أيحسن في الشرع أو يجمل في الذوق أن يكون في القبيلة الواحدة مفطر وصائم، ثم لا يكفي ذلك حتى يكون في البيت الواحد مفطر وصائم.

أيحسن في الشرع أو يجمل في الذوق أن تكون في البلدة الواحدة أسرة مبتهجة بالعيد، بطالعه السعيد، كبارها يتقبلون التهاني والتبريكات، وصغارها يتقلبون في صنوف الأفراح والمسرات، بينما جار الجنب صائم ممسك وأولاده يتحرقون حسرة ويتميزون غيظا وإن كانوا لا يدرون على من؟ ولو كان الفرق يوما واحدا لهان الأمر، ولكنه اليومان والثلاثة. فلا عجب إذا كان هذا الحال من أسباب الضغائن والحقود تحملها القبيلة للقبيلة والأسرة للأسرة ثم يحملها الأولاد للأولاد" (29).

وكما عمل ابن باديس على توحيد الشعائر الدينية المتفق عليها بين المسلمين، عمل كذلك على أن يحترم المسلمون بعضهم بعضا في الشعائر البسيطة المختلف في بعض كيفياتها، من ذلك ما قام به من جهد لحسم الصراع الذي قام بين الإباضية والمالكية في شأن الأذان بمسجدي غرداية، حيث قام الإباضية بمنع المالكية من إقامة الأذان للصلاة في هذين المسجدين. وقد حاول ابن باديس أن يجد طريقة يجمع بها الفريقين ويجعل كلا منهما يتنازل للآخر عن بعض ما يراه حقا له، ما دامت القضية موضع خلاف وليست أمرا مقطوعا به في الدين، حفاظا على وحدتهم ومنعا لأسباب النزاع أن تشتت قوتهم.

ومما كتبه ابن باديس تعليقا على هده الحادثة، ومحاولة لإصلاح ما خلفته من آثار، قوله:

" … برأنا الإباضية من تعصبهم على المالكية لأنهم مالكية، ولكننا من ناحية أخرى نرى أنه حق عليهم أن يرجعوا في هذه المسألة عن رأيهم، ويسمحوا لإخوانهم المالكية بالأذان.

أولا: إصلاحا لذات البين بين المسلمين، وهي في الإسلام من أول ما تجب وتتأكد المحافظة عليه والقيام به.

ثانيا: حفظا للوحدة الإسلامية بحفظ القلوب غير متصدعة بداء الفرقة القتال المعدود في الإسلام

٢٢ / ١٤٠