مجلة الحياة، العدد 7 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

واقعية التصور الإسلامي في نثر أبي اليقظان لمحمد زغينة

الجزء ١ · صفحة ٤

جميع كتابات أبي اليقظان تتنفَّس فيه الروح الإسلامية المشبَعة بالإيمان الصحيح، والتصوُّر السليم للكون والحياة، تبدو فيها مهمَّة الإنسان المؤمن ذي الفكر الرسالي، لأنَّ أبا اليقظان رجل سلفي التوجُّه، تربَّى وترعرع في أحضان الإصلاح، فعاش منافحًا عن الدين ممكِّنا له، داعيا إلى التحرُّر من غثائية الطرقية، وميراث عصور الانحطاط، ولذلك يقول في محاضرة ألقاها في تونس عن الحركة الأدبية في الجزائر: «بما أنَّ القصد منها مكافحة الجهل ومقاومة الأمية فهي مفرغة في قالب العلم بما فيه من تنوير الأذهان .. وبما أنَّ الغاية منها إبادة الخرافات والأوهام فهي مطبوعةٌ دائما بخاتم الدين بما فيه من تحرير العباد … وتستمدُّ قوَّتها من كتاب الله وسنة رسول الله وآثار السلف الصالح» (17).

بهذا التصوُّر الواقعي كان أبو اليقظان يمدُّ حباله في كلِّ اتجاهٍ ليُمسِك بالحقيقة الكبرى التي يستطيع بواسطتها أن يبلغ مراده، ولكنَّه حورب حربًا شعواء، وكُفِّر ورُمي بالزندقة والماسونية والشيوعية (18)، ورغم ذلك فقد أصرَّ على تفكيك ألغام المعارضة بهدوء العالِم وسكينة المؤمن تارة، وبقوَّة المجاهد وثورة الغضب طوراً آخر، يقول مخاطباً العلماء: «فإن نهضتم نهضتم بدينكم وملَّتكم وبلادكم أثناء زوابعها، واستفدتم منها وأفدتم سِواكم بمنافعها، ووقيتم أنفسكم وأهليكم، وكلَّ عزيز لديكم وإلاَّ … لا تبقي ولا تذر (19) فتُصبِحُوا كلُّكم في خبر كان».

فإذا تأمَّلنا النص السابق نجده يقطر واقعيَّة، فالتصوُّر إسلاميٌّ، والأفكار إسلاميَّة، ومصادرها القرآن، إذ أنَّ معظم الأفكار السابقة مستمدَّة من سورة التحريم، وسورة المدثر نتيجة لممارسته الفعلية والقولية للقرآن الكريم وحفظه وتأثُّره بمعانيه، ولذلك نراه في تصوره للواقع المعيش يرى أعداء الإصلاح «كاللصوص لا يعيشون إلاَّ في الظلام، يستشعرون منه بساطة القوم وسذاجتهم، فيكذبون ويقلبون الحقائق، ويقاطعون طرق الإصلاح، ويشوِّهون سمعة المصلحين، كلُّ ذلك بعنوان الصدق وقصد الخير والصلاح وقمع الفساد، فيُصدِّقهم أولئك المساكين، ويرهولون وراءهم طائعين».

ولعلَّ هذا ما جعله يُعلِن في كلِّ مقالة بأنَّ شباب الأمَّة يبتعدون عن الصواب بسبب «قلَّة التديُّن وضعف الإيمان، فإنَّ الإنسان إذا كان قليل التديُّن ضعيف الإيمان يعيش أسير شهواته وإن كان أعلم مَن في الأرض، لأنَّ العلم شيءٌ، وضعف الدين في النفس شيءٌ آخر، بل ربَّما يكون عملُه وسيلة كبرى تُقرِّبه من منال الفجور، إذ بها يفتح مغالق الأسرار ويتوصل إليه الجاهل» (20)

إنَّ التركيز على التديُّن نابع من ثقافته الإسلامية ومن رسالته الإصلاحية ومن الواقع المعيش آنذاك، والذي يقتضي التركيز على الإسلام لأنَّ الحرب الفكرية كانت (إسلامية صليبية)، لأنَّ الصليبية أعلنت عداوتها لكلِّ ما هو إسلاميٌّ على أرض الجزائر بكل فنونها، ولهذا لا نراه إلاَّ وهو يردِّد «إنَّ ضعف الإيمان وقلَّة التديُّن بالإسلام تجعل صاحبها لا يكترث بما يصدر منه من الأعمال، ولا يرى

٤ / ١٤٠