القواعد الشرعية ومقاصد الشريعة لعيسى بوراس
الجزء ١ · صفحة ٣٧مثاله: النهيُ عن بيع الطعام قبل قبضِه، علَّتُه: طلب رواج الطعام في الأسواق، والنهيُ عن بيع الطعام بالطعام نسيئَةً .. علَّتُه أن لا يبقى الطعام في الذمَّة فيفوت رواجه.
والنهي عن احتكار الطعام لحديث مسلم عن معمر مرفوعا: «من احتكر طعاما فهو خاطئ خاطئ» (18). علَّته إقلال الطعام قي الأسواق، فبهذا الاستقرار يحصلُ العلم بأنَّ رواج الطعام وتيسير تناوله مقصدٌ من مقاصد الشريعة، فنعمد إلى هذا المقصد فنجعله أصلاً.
تتبُّع الآيات القرآنية صريحةِ الدلالة على المراد، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (19)، وقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ (20). وقوله سبحانه: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (21)، ففي كلِّ هذه الآيات تصريح شرعي أو تنبه إليه السنة المتواترة، سواء كان متواترًا معنويا أو لفظيا، بحيث يُستخلَص من مجموعها مقصدا شرعيًا.
المطلب الثاني: بم تعرف مقاصد الشارع؟:
أجاب الشاطبي على هذا السؤال بقوله: «إنَّ النظر هنا ينقسم بحسب التقسيم العقلي إلى ثلاثة أقسام (22):
1/ أن يُقال إنَّ مقصد الشارع غائب عنَّا حتَّى يأتينا ما يعرفنا به، وليس ذلك إلاَّ بالتصريح الكلامي .. إلى أن قال: وحاصل هذا الوجه على الظاهر مغلقًا، وهو رأي الظاهرية الذين يحصرون مظان العلم بمقاصد الشرع في ظواهر النصوص.
2/ على خلاف الأوَّل له ضربان:
أ: أنَّ مقصد الشارع ليس في هذه الظواهر ولا ما يُفهم منها .. إنَّما المقصود أمرًا آخر وراءه، ويطَّرد هذا في جميع الشريعة، حتى لا يبقى في ظاهرها متمسك يمكن أن يلتمس منه معرفة رأي مقاصد الشرع. وعقب على هذا الرأي بقوله: هذا رأي كلِّ قاصد لإبطال الشريعة، وهم الباطنية.
إنَّ مقصود الشارع الالتفات إلى معاني الألفاظ بحيث لا تعتبر الظواهر والنصوص إلاَّ بها على الإطلاق، فإن خالف النص المعنى النظري طرح وقدم المعنى النظري [كذا].
وهو إمَّا بناء على معنى مراعاة المصالح على الإطلاق، أو على عدم الوجوب، لكن مع تحكيم المعنى جدا، حتى تكون الألفاظ الشرعية تابعة للمعاني النظرية وهو رأي المتعمقين في القياس، المقدمين له على النصوص، وهذا طرف آخر من القسم الأول.
3/ أن يقال باعتبار الأمرين جميعًا على وجه لا يُخِلُّ فيه المعنى بالنص، ولا العكس، لتجري الشريعة على نظامٍ واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض، وهذا الرأي هو الذي أمَّه أكثر العلماء الراسخين، وعليه الاعتماد والضابط الذي يعرف به مقصد الشارع.
ومن هذا المنطلق، يقول الشاطبي: إنَّ مقصود الشارع يُعرَف من جهات:
1/ مجرَّد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي (23):