القواعد الشرعية ومقاصد الشريعة لعيسى بوراس
الجزء ١ · صفحة ٤٠وتجويز إقامة الجمعة في أكثر من موضع، حيث إذا تباعد موضعين أو ثلاثة في الحصر، لأنَّ الحصر إذا بعدت أطرافه شقَّ على أهله المشي من طرف إلى طرف فيجوز دفعًا للحرج (39).
2 ـ هل رفع الحرج قاعدة فقهية أم أصولية؟:
عبارة رفع الحرج وردت على ألسنة الفقهاء وضمن القواعد الفقهيَّة، كما وردت باعتبارها دليلاً وأصلاً، فتتنازعها جهتان، الأصوليون والفقهاء فإلى أيِّهما أقرب وأمس رحمة؟
الظاهر أنَّها قاعدة أصولية، لأنَّها حكمٌ كلي أكثري، ويستدلُّ بها في غير باب من أبواب الفقه.
ولمَّا كان الدليل على لسان الأصوليين، ما يمكن التوصُّل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري.
وهو دليل إجمالي لا تفصيلي، وأيًّا كان الأمر فإنَّ رفع الحرج أصليٌّ تُبنى عليه الأحكام الشرعية، سواء أكان ذلك ابتناءًا على قاعدة أم على دليل (40).
3 ـ قاعدة رفع الحرج والمقاصد:
إذا كات المصالح هي مقصد الأحكام التكليفية والأحكام الوصفية، فإنَّ الأحكام الشرعية كلَّها يُلاحظُ فيها أن تكون مصلحة الشخص لها اعتبارها، ولا تترك إلا إذا كانت معارضة لمصلحة أكبر.
ولأجل ذلك قرَّر الإسلام أنَّه عندما تكون ضرورة أن يكون الشخص في حالٍ تهدد مصلحته الضرورية ولا تُدفع إلاَّ يتناول محضور لا يمسُّ حقَّ غيره، فإنَّه يجب عليه أن يتناول ذلك المحضور، وقد قرَّر الفقهاء: "أنَّ الضرورات تُبيحُ المحظورات".
كما لاحظ الإسلام مصلحة الناس في دينهم ألاَّ يُكلِّفَهم إلاَّ بما يستطيعون، وما يؤدونه باستمرار، فالتكليفات الشرعية في جملتها مما يمكن احتمالُ مشقَّتها باستمرار، لأنَّ المصلحة التي تحقق بها لا تكون إلا بالاستمرار، وكان الاستمرار على التكليفات التي تكون مشقتها محتملة مقصدًا من مقاصد الشرع لأنَّ في ذلك استمرارًا على الطاعة، وأنَّ الاستمرار على اليسير يؤدِّي إلى القدرة على الكبير (41).
قسَّم الشاطبي - رحمه الله - هذا النوع من تقسيماته: قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها ثم حددها في نوعين:
1 ـ التكليف بما لا يطاق.
2 ـ التكليف بما فيه مشقَّة.
فالأوَّل منفيٌّ عن الشريعة إجماعًا، أمَّا التكليف بما فيه مشقَّة فهو الموضوع الأهم لما يكثر فيه الغموض والالتباس و الحيرة (42).
أمَّا ما قاله الشاطبي في هذا الموضوع أنَّ الشارع لم يقصد إلى التكليف بالمشقَّة والاعنات فيه، وما يدلُّ عليه النصوص الكثيرة النافية للحرج والمصرِّحة باليسر والسماحة في الأحكام الشرعية