قراءة في كتاب عقد التأمين في ضوء الإسلام لمحمد الشيخ بالحاج
الجزء ١ · صفحة ٧٦فطري، ينبغي الآن أن نرصد أغراضه وأهدافه، لأنَّ سبب اضطراب الباحثين - في الحقيقة - في علاجه لاضطرابهم في تشخيص دائه وتحديد أهدافه.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل الهدف النهائي للتأمين تراكُمُ الأموال وزيادة الأرباح؟ أم غرضُه تحقيق الأمن والتراحم والإغاثة للمنكوبين والمحتاجين؟
من الباحثين من اعتبر أنَّ التأمين يؤدِّي إلى تراكم الأموال وزيادة الأرباح، وأن ذلك من محاسن التأمين، وطالب من أجله تصحيح العقد شرعياً باسم المصلحة (10).
والفرق ليس هيِّنا كما قد يتصور البعض، لكونها نقطة افتراق مبدئية يترتَّب عليها افتراق في الأساليب والأهداف.
لقد كان من أكبر الأخطاء في تاريخ الإنسانية أن فتح باب الإثراء عن طريق التجارة في التأمين، لأنَّ ذلك استغلال لضرورة من ضروريات المجتمع وهو التكافل، وهو لا يقلُّ أهمية للمجتمع عن مطالبه الحيوية الأساسية.
وإذا كان المجتمع الغربي تخلَّى عن مبادئ وقيم التضامن والتكافل لكونه قائم على أساس مادِّي، فإنَّ المجتمع الإسلامي لا يتخلَّى عن هذه الأسس والمبادئ، فقد جعل التواصي بالمرحمة وتأمين حقِّ الفقير والمسكين أحد الأركان الأساسية لرسالته: {أَرَأَيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَالِكَ الذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ» (11).
والتأمُّل في هذه المبادئ والأسُس يجعلنا نقف خاشعين أمام عظمة الشريعة الإسلامية حين جعلت التكافل فرضاً على الأغنياء حقاًّ على الفقراء، وكيف ضمنت لقمةَ الجائع، وأمّنَتْ من رَوع الخائف.
وهنا تتحدَّد الخطى في أوَّل مدخل للطريق الصحيح بقناعةٍ أساسيَّة أنَّ نشاط التأمين لا يمكن أن يحقِّق أهدافه إذا كان همُّه تحقيق الأرباح بالتجارة بالأمن، ولكنه يحقق أهدافه إذا كانت غايته التبرع لتحقيق الأمن، وإن استخدم وسيلة لتنمية المال (12).
مناقشة بعض الآراء والأفكار الواردة في الكتاب:
صفحة 12: «أمَّا أركانه فتنحصر عادة بالنسبة لجميع العقود على اختلاف أنواعها في أربعة أركان أساسية، ما خلا عقداً واحداً فإنه يزاد فيه ركن خامس … وأعني به عقد النكاح».
أرجو التمييز بين عقود المعاملات والعقد الذي يرتبط بالحياة الزوجية، فالأولى: عقود تبرُّع أو معاوضة فيهما مصلحة مادِّية أو معنويَّة، بينما عقد النكاح نسيج وحده، سماه القرآن الكريم بالميثاق الغليظ، أرى فصله وعدم إدراجه مع بقية العقود، ولا أدلَّ على ذلك تميُّزه بشروط وأركان خاصَّة كما ذكر الكاتب وهي: الوليُّ والإسلامُ والصداق.
ـ نفس الصفحة: «فأركان سائر العقود هي: الأول والثاني المتعاقدان، الثالث والرابع المتعاقد