باب من الشعر:
الجزء ١ · صفحة ١٣وحدثني المازني عن أبي زيد قال: وصفت امرأة من سعد امرأة فقالت: إنها للَيَّاءُ العنق، مِمْذاق السِّقاء، مِنْهاء القِدْر.
ليّاء العنق: كثيرة الالتفات إلى الأضياف. ممذاق السقاء؛ يقول: إذا قلّ لبنُها مذقته بالماء ليتسع على أضيافها، كما قال الشاعر:
نُمدُّهمُ بالماء لا لهوانهمْ … ولكنْ إذا ما قلَّ شيءٌ يُوسّعُ
ومنهاء القدر: أي تعجّل إنزالها إلى أضيافها، ونظن أن قولها: منهاء القدر، من نَهِئَ اللحمُ إذا كان نيئاً.
وقال خالد بن عبد الله الطائي، ويقال لحاتم الطائي:
وعاذلةٍ قامتْ عليّ تلومُني … كأني إذا أعطيتُ مالي أضيمُها
أعاذلَ إن الجودَ ليس بمُهلكي … ولا يُخلد النفسَ الشحيحةَ لؤمُها
وتُذكَر أخلاقُ الفتى وعظامه … مغيّبة في اللحدِ بالٍ رميمُها
ومن يبتدع خِيماً سوى خِيم نفسه … يدعْهُ ويغلبْهُ على النفس خيمُها
وأنشد أبو زيد في قصيدة لحاتم أولها:
ألا أرقتْ عيني فبتُّ أديرُها
وإنا نُهين المالَ من غير ضِنّةٍ … ولا يشتكينا في السنين ضريرُها
إذا ما بخيل الناس هرّت كلابُه … وشقّ على الضيف الغريب عقورها
فإني جبانُ الكلب بيتي موطّأٌ … جوادٌ إذا ما النفسُ شحَّ ضميرُها
وإنّ كلابي قد أقِرّت وعُوّدتْ … قليلٌ على من يعتريها هريرُها
وأبرز قدري بالفناء قليلها … يُرى غير ممنون به وكثيرُها
وليس على ناري حجابٌ يُكِنّها … لمقتبس ليلاً ولكن أُثيرها
فلا وأبيكِ ما يظل ابنُ جارتي … يطوف حوالَيْ قِدرنا ما يطورها
وما تشتكيني جارتي غير أنني … إذا غاب عنها بعلُها لا أزورُها
سيبلغها خَيري ويرجعُ بعلُها … إليها ولم تُسدَل عليّ ستورُها
وقال حاتم أيضاً:
وإني لأستحيي حياء يشفّني … إذا القومُ أمسَوا مُرملي الزاد جُوّعا
وإني لأستحيي أكيليَ أن يرى … مكان يدي من جانب الزاد أقْرعا
أكُفّ يدي من أن تنال أكفَّهم … إذا نحن أهويْنا لمطعَمنا معا
أبيت خميص البطن مُضْطَمِرَ الحشى … حياء أخاف اللوم أن أتضلّعا
فإنك إن أعطيت بطنك سؤله … وفرجَك نالا منتهى الذمّ أجمعا
وحكى أبو عبيدة وغيره - والخبر مشهور، في ألفاظه اختلاف: أن حاتماً الطائي لما أقام في عَنَزة بأن قد فدى أسيراً لهم بنفسه، غاب الرجال مرة وبقي هو والنساء، نيط لبعير لهم. فقلن له: قم فافصد هذه الناقة، وأخذ الشفرة فنحرها، فلطمته امرأة منهن وسبته، فقال: لو غير ذات سوار لطمني، أي لو لطمني رجل! فقلن: أمرناك بأن تفصد فنحرتها! فقال: هكذا فَصْدي أنَهْ.
وحدثني المازني قال: سمعت العرب تقول: لو غير ذات سوار لطمني. ويقول النحويون: لطمتني. فأخذت غير قول النحويين وتركت قول العرب.
وقال مالك بن أسماء:
قالت طريفة ما تُبقي دراهمُنا … وما بنا سرَفٌ فيها ولا خُرُقُ
إنا إذا كثرتْ يوماً دراهمُنا … ظلّتْ إلى سبل المعروف تستبقُ
لا يألفُ الدرهم المنقوش صُرّتَنا … إلا لِماماً قليلاً ثم ينطلقُ
حتى يصير إلى نذل يخلّده … يكاد من صَرِّهِ إياه يمَّزِقُ
وقال أعرابي: ما أبالي أصررت على حجر أم صررت على دنانير إذا كنت لا أنفقها.
وحدثني ابن عائشة عن بعض أشياخه قال: قال الأحنف بن قيس: بئس الرفيقان الدراهم والدنانير فإنهما لا ينفعانك حتى يفارقاك. وأنشدني ابن عائشة:
عوّدتُ نفسي إذا ما الضيفُ نبَّهني … عَقْرَ العِشار على يُسري وإعساري
وأترك الشيءَ أهواه ويعجبني … أخشى عواقبَ ما فيه من العارِ
وقال بعض المتقدمين:
تغطّ بأثواب السخاء فإنني … أرى كل عيب فالسخاء غطاؤه
وقارِب إذا قاربتَ حُرّاً فإنما … يزين ويُزري بالفتى قُرناؤه
وأقلِل إذا ما قلتَ قولاً فإنه … إذا قَلّ قولُ المرء قلَّ خطاؤه
إذا قلّ ماءُ الوجه قلّ حياؤه … ولا خير في وجه إذا قلّ ماؤه
إذا قلّ مال المرء قلّ صديقه … وضاقت عليه أرضه وسماؤه
إذا قلّ مال المرء لم يرض عقلَه … بنوه ولم يغضب له أقرباؤه