الفاضل محمد بن يزيد المبرد

باب من الشعر:

الجزء ١ · صفحة ١٣

وحدثني المازني عن أبي زيد قال: وصفت امرأة من سعد امرأة فقالت: إنها للَيَّاءُ العنق، مِمْذاق السِّقاء، مِنْهاء القِدْر.

ليّاء العنق: كثيرة الالتفات إلى الأضياف. ممذاق السقاء؛ يقول: إذا قلّ لبنُها مذقته بالماء ليتسع على أضيافها، كما قال الشاعر:

نُمدُّهمُ بالماء لا لهوانهمْ … ولكنْ إذا ما قلَّ شيءٌ يُوسّعُ

ومنهاء القدر: أي تعجّل إنزالها إلى أضيافها، ونظن أن قولها: منهاء القدر، من نَهِئَ اللحمُ إذا كان نيئاً.

وقال خالد بن عبد الله الطائي، ويقال لحاتم الطائي:

وعاذلةٍ قامتْ عليّ تلومُني … كأني إذا أعطيتُ مالي أضيمُها

أعاذلَ إن الجودَ ليس بمُهلكي … ولا يُخلد النفسَ الشحيحةَ لؤمُها

وتُذكَر أخلاقُ الفتى وعظامه … مغيّبة في اللحدِ بالٍ رميمُها

ومن يبتدع خِيماً سوى خِيم نفسه … يدعْهُ ويغلبْهُ على النفس خيمُها

وأنشد أبو زيد في قصيدة لحاتم أولها:

ألا أرقتْ عيني فبتُّ أديرُها

وإنا نُهين المالَ من غير ضِنّةٍ … ولا يشتكينا في السنين ضريرُها

إذا ما بخيل الناس هرّت كلابُه … وشقّ على الضيف الغريب عقورها

فإني جبانُ الكلب بيتي موطّأٌ … جوادٌ إذا ما النفسُ شحَّ ضميرُها

وإنّ كلابي قد أقِرّت وعُوّدتْ … قليلٌ على من يعتريها هريرُها

وأبرز قدري بالفناء قليلها … يُرى غير ممنون به وكثيرُها

وليس على ناري حجابٌ يُكِنّها … لمقتبس ليلاً ولكن أُثيرها

فلا وأبيكِ ما يظل ابنُ جارتي … يطوف حوالَيْ قِدرنا ما يطورها

وما تشتكيني جارتي غير أنني … إذا غاب عنها بعلُها لا أزورُها

سيبلغها خَيري ويرجعُ بعلُها … إليها ولم تُسدَل عليّ ستورُها

وقال حاتم أيضاً:

وإني لأستحيي حياء يشفّني … إذا القومُ أمسَوا مُرملي الزاد جُوّعا

وإني لأستحيي أكيليَ أن يرى … مكان يدي من جانب الزاد أقْرعا

أكُفّ يدي من أن تنال أكفَّهم … إذا نحن أهويْنا لمطعَمنا معا

أبيت خميص البطن مُضْطَمِرَ الحشى … حياء أخاف اللوم أن أتضلّعا

فإنك إن أعطيت بطنك سؤله … وفرجَك نالا منتهى الذمّ أجمعا

وحكى أبو عبيدة وغيره - والخبر مشهور، في ألفاظه اختلاف: أن حاتماً الطائي لما أقام في عَنَزة بأن قد فدى أسيراً لهم بنفسه، غاب الرجال مرة وبقي هو والنساء، نيط لبعير لهم. فقلن له: قم فافصد هذه الناقة، وأخذ الشفرة فنحرها، فلطمته امرأة منهن وسبته، فقال: لو غير ذات سوار لطمني، أي لو لطمني رجل! فقلن: أمرناك بأن تفصد فنحرتها! فقال: هكذا فَصْدي أنَهْ.

وحدثني المازني قال: سمعت العرب تقول: لو غير ذات سوار لطمني. ويقول النحويون: لطمتني. فأخذت غير قول النحويين وتركت قول العرب.

وقال مالك بن أسماء:

قالت طريفة ما تُبقي دراهمُنا … وما بنا سرَفٌ فيها ولا خُرُقُ

إنا إذا كثرتْ يوماً دراهمُنا … ظلّتْ إلى سبل المعروف تستبقُ

لا يألفُ الدرهم المنقوش صُرّتَنا … إلا لِماماً قليلاً ثم ينطلقُ

حتى يصير إلى نذل يخلّده … يكاد من صَرِّهِ إياه يمَّزِقُ

وقال أعرابي: ما أبالي أصررت على حجر أم صررت على دنانير إذا كنت لا أنفقها.

وحدثني ابن عائشة عن بعض أشياخه قال: قال الأحنف بن قيس: بئس الرفيقان الدراهم والدنانير فإنهما لا ينفعانك حتى يفارقاك. وأنشدني ابن عائشة:

عوّدتُ نفسي إذا ما الضيفُ نبَّهني … عَقْرَ العِشار على يُسري وإعساري

وأترك الشيءَ أهواه ويعجبني … أخشى عواقبَ ما فيه من العارِ

وقال بعض المتقدمين:

تغطّ بأثواب السخاء فإنني … أرى كل عيب فالسخاء غطاؤه

وقارِب إذا قاربتَ حُرّاً فإنما … يزين ويُزري بالفتى قُرناؤه

وأقلِل إذا ما قلتَ قولاً فإنه … إذا قَلّ قولُ المرء قلَّ خطاؤه

إذا قلّ ماءُ الوجه قلّ حياؤه … ولا خير في وجه إذا قلّ ماؤه

إذا قلّ مال المرء قلّ صديقه … وضاقت عليه أرضه وسماؤه

إذا قلّ مال المرء لم يرض عقلَه … بنوه ولم يغضب له أقرباؤه

١٣ / ٣٨