الفاضل محمد بن يزيد المبرد

باب من الشعر:

الجزء ١ · صفحة ١٢

كان الحَجاج على عُتوِّه وإسرافه على نفسه جوداً، وكان إذا ضحك واستُغرِب أتبع ذلك الاستغفار مرات. وكان يصعد المنبر ملتفِعاً بمُطْرَفِه فما يُسمع من كلامه إذا ابتدأ في الخطبة، ثم يتزيّد حتى يُخرج يده عن مُطْرفه، ثم يصيح الصيحة يسمع بها أقصى من في المسجد، وكان يُطعم على ألف خوان جنباً مشوياً وسمكة طرية وثريدة، وكان له ساقيان أحدهما يسقي العسل والآخر يسقي الماء واللبن. وكان يُطاف به في محفّة يدور على الموائد ويقول: يا أهل الشام مزّقوا الخبز فإنه لا يُعدّ عليكم، وكان يُجلس على كل مائدة عشرة رجال وذلك في كل يوم، وكان يقول: أرى الناس يتخلّفون عن طعامي في كل يوم! فقال له بعض من حضر: كأنهم يكرهون الحضور قبل أن يُدعَوا، قال: قد جعلتُ رسولي إليهم في كل يوم الشمسَ إذا طلعت، فليحضروا.

وحدثني المازني قال: بلغني عن دهقانِ نهر تِيرى، وكان الناس لا يرون ناراً ولا دخاناً إلا في مطبخه لقيامه بشأنهم وتفقده لأحوالهم، فرأى يوماً دخاناً فاستنكر ذلك، فمضى غلمانه يتحسسون فإذا امرأة وجدت وجعاً في حلقها واتخذت حَسْواً تحسوه، فأخبروه بذلك، فأمر أن يُتخذ في مطبخه كل يوم كُرّ من دقيق حَسواً.

قال أبو العباس قد ذكرنا من هذا الباب بعض ما استحسناه ونمى إلينا، ونحن نذكر بعقبه أشعاراً تُشاكل هذا الباب وتدخل في هذا النوع، وبالله الحول والقوة.

باب من الشعر:

أنشدني أبو عثمان المازني:

وإنا لمشّاءون بين رحالِنا … إلى الضيف منا لاحِفٌ ومُنيمُ

فذو الحِلم منا جاهل من ورائه … وذو الجهل منا عن أذاه حليمُ

وقال آخر يصف ضيفاً:

عوى في سوادِ الليلِ بعد اعتسافِه … لينبح كلبٌ أو ليفزَع نُوَّمُ

فجاوبهُ مستسمعُ الصوتِ للقِرى … له مع إتيانِ المهيبينَ مَطعَمُ

يكادُ إذا ما أبصر الضيف مقبلاً … يكلّمه من حُبّه وهو أعجمُ

وقال أعرابي:

وعاوٍ عوى شِبهَ الجنون وما به … جنونٌ ولكن كيدُ أمرٍ يحاولُهْ

فأوقدتُ ناري فاستضاءَ بضوئها … وأخرجت كلبي وهو في السجن داخلُهْ

فلما رآها كبّر اللهَ وحدَه … وبشّر قلباً كان جَمّاً بلابلُه

فلما أتاها قلت أهلاً ومرحباً … تقدمْ ولم أقعدْ إليه أسائلُه

فقمت إلى البَرْك الهِجان أعودها … بضربة حق لازم أنا فاعلُه

فجالت قليلاً واتَّقتني بخيرها … سَناماً، وأدناها من الشحم كاهلُه

فأطعمته من لحمها وسنامها … شواءً، وخيرُ الخير ما كان عاجلُه

طعامين لا أسطيعُ بخلاً عليهما … جنى النحل والمغصوب تغلي مراجلُه

وقال آخر يصف ضيفاً:

ومُسْتَنبِح قال الصدى مثلَ قولِه … حضأت له ناراً لها حطبٌ جزلُ

وقمت إليه مسرعاً فغنمْتُه … مخافة قومي أن يفوزوا به قبلُ

فأوسعَني حمداً وأوسعتُه قِرىً … وأرخِصْ بحمد كان كاسبَه الأكلُ

وقال أبو كدراء العِجليّ:

يا أمَّ كدراء مهلاً لا تلوميني … إني كريمٌ وإن اللوْم يؤذيني

فإن بخلْتُ فإن البخلَ مشتركٌ … وإنْ أجُدْ أعطِ عفواً غيرَ ممنونِ

ليستْ بباكية إبْلي إذا فقدَتْ … صوتي ولا وارثي في الحيّ يبكيني

بنى البُناةُ لنا مجداً ومكرُمةً … لا كالبناء من الآجرّ والطينِ

وقال عتبة بن بجير:

سأقدحُ من قِدري نصيباً لجارتي … وإن كان ما فيها كَفافاً على أهلي

إذا أنتَ لم تُشرك صديقَك في الذي … يكون قليلاً لم تشاركْه في الفضلِ

وعلى ذلك قول الآخر:

ليس جود الأقوام عن فضل مال … إنما الجود للمقلّ المواسي

وكذلك قول العتبيّ:

ليس العطاء من الكثير سماحةً … حتى تجودَ وما لديكَ قليلُ

ومثل قول عتبة في شعره ووصفه سعة قِدره وإيثاره جارَه على أهله قول بعض الأعراب:

وقِدرٍ إذا ما أنفضَ الناس أوْفَضَتْ … بأزفارها تومي إليها الأرامل

الزِّفر: الحِمل، يقول: إذا قل مال الناس لم يبخل بما كان يقيمه للأضياف المحتاجين إليه. وأوفضت أو وُسِّعت، ويقال أسرعت.

١٢ / ٣٨