باب
الجزء ١ · صفحة ١٥والمعاقل: جمع مَعقِل وهو الحِرْز، قال: وأنشدني المازني:
ومستأسدٍ يندى كأنّ ذبابه … أخو الخمر هاجت شوقَه فتذكّرا
المستأسد: النبات الملتف الكثير، يندى، من الندى، وأخو الخمر: الذي يشربها. وهاجت: يعني الخمر، وشوقه، يعني الشارب. والمعنى أنه شبه صوت الذباب في هذا العشب بصوت شارب قد سكر واشتاق إلى أهله فتغنّى. وقال آخر:
وصاحب معجب في طول صُحبته … لا ينفع الدهرَ إلاّ وهو محموم
تأتيك في شدة الحُمّى منافعه … وإن أفاق بدا في وجهه اللوم
يعني الفرج، ويكون للفرجين جميعاً. قال وأنشدني التوزي:
رواحلنا سِتّ ونحن ثلاثة … نُجنّبهنّ الماءَ في كلّ منهل
يعني النعال. وقال الكميت:
ولما رأيت النسر عزّ ابنَ دأيةٍ … وعشّش في وَكْريه جاشَتْ له نفسي
يقال للغراب ابن دأية، لأنه يقع على الدأية من ظهر البعير فينقرها. وإنما يعني الشيب وغلبته على السواد، وعزني في الخطاب، أي كان أعز مني في المخاطبة، قالت الخنساء:
كأن لم يكونوا حِمىً يُتَّقى … إذ الناسُ إذ ذاكَ مَن عزَّ بَزّا
أي من غلب سلب. وقوله: وعشش في وكريه، يعني بوكريه عارضيه ولحييه، فوجِلت نفسه لذلك. وأنشد الأصمعي:
قلن اتَّضعتِ فقالت لا، فقلن لها … فكيف تَقوَيْن يا سلمى على الجَمَلِ
زعموا أن المؤدَّب من الإبل يقال له ضع ضع، فيطأطئ رأسه ليُركب. يقول: وأنتِ لو لم يفعلن هذا ما قدرت على ركوبه. واتضعت، افتعلت من الوضع. ومثله قول جميل:
فلما دنتْ أُولى الرِّكاب تيمّمت … إلى جؤجؤ جَلْسٍ فقالت له ضع
يقول قصدتْ إلى نجيب قويّ شديد فقالت له ذلك، وأنشد:
قد قلت للصباح والمهاجِر … إنّا وربِّ القُلُصِ الضوامر
إنّا: أي أعْيَيْنا، والأَيْن: الإعياء، تقول آن يئين أيْناً إذا أعيا، وأنشد:
لنِعم البيتُ بيتُ أبي دثارٍ … إذا ما خاف بعضُ القوم بعضا
يقول: إذا خاف بعض القوم بعضَ البعوض فبيت أبي دثار لا يُخاف عليه ذلك فيه. وبيت أبي دثار: الكلّة. وأنشد:
يَريع إليه العمّ حاجةَ واحد … فآبُوا بحاجات وليس بذي مال
يريع: يجتمع. إليه، يعني الكعبة، يريد أن الناس كلهم يسألون عند ذلك الموضع المغفرة، فرجعوا وهم يرجون حسن الإجابة، وليس معهم مالٌ حَوَوْه. وقال آخر:
ما لك لا ترمي وأنت أنزَعُ … وهي ثلاثُ أذرُعٍ وإصبَعُ
وهي إذا أنبضتَ فيها تسجعُ … تَرنُّمَ الثَّكلى أبَتْ لا تهجعُ
قوله: أنزع؛ يريد أنزع من غيرك، وبعضهم يقول: أنزع. يقول: قد كبِرتَ وصارت بك نزعة، قال: وأجود ما تكون القسيّ ثلاث أذرع ونصف وثلاث أذرع. وإنما أخبر عن جُبنه فقال: ما لك لا ترمي وأنت أنزَع في القوس من غيرك، وقوسك هذا حالها في الجودة والتمام؟. وأنبضت: جذبت. وتسجع: ترنّم. ويقال: خير القسيّ ما إذا جُذبت ترنّمت، وأنشد:
تسمع بعد النزع والتوكيرِ … في سِيَتَيْها رنةَ الطُّنبورِ
قد أتينا من هذا الباب ببعض ما قصدنا له، وفسرنا ما أتينا به تفسيراً يغني عن تشكل فيه أو مسألة عنه، ونرجع إلى باب أخبار وأشعار يشاكل بعضها بعضاً، وبالله الحول والقوة.
باب
حدثني مسعود بن بشر قال: قدم عمرو بن العاص مكة وفتيان قريش يتحدثون، فلما رأوه رمَوه بأبصارهم، فعدل إليهم فقال: كأنكم كنتم في حديثنا، فقالوا: نعم كنا نفضّل بينك وبين أخيك، فقال: إن له عليّ أربعاً؛ أمه ابنة هشام بن المغيرة وأمي من قد علمتم، وكان أحبَّ إلى أبي مني وقد عرفتم رأي الأب في ابنه، وأسلم قبلي واستُشهد وبقيت. وكان هشام بن المغيرة شريفاً مسوَّداً، وكان الناس يؤرخون بالأمور العظام تحدث، مثل عام الفيل، وعام الرمادة، وموت هشام بن المغيرة وفيه يقول القائل:
فأصبح بطنُ مكة مُقشعِرّا … كأن الأرضَ ليس بها هشام