الفاضل محمد بن يزيد المبرد

باب

الجزء ١ · صفحة ١٧

وحدثني مسعود بن بشر في إسناد ذكره قال: لما قال حسان بن ثابت في كلمة له يُعيّر الحارث بن هشام بن المغيرة - حيث فرّ يوم بدر عن أخيه أبي جهل ابن هشام:

إن كنتِ كاذبةَ الذي حدِّثْتِني … فنجوتِ مَنْجى الحارث بن هشام

ترك الأحبّةَ لم يقاتل دونهم … ونجا برأس طِمرّةٍ ولجام

وقال الحارث يعتذر من فزارة:

اللهُ يعلم ما تركت قتالَهم … حتى علَوْا فرسي بأشقرَ مُزْبِدِ

وعلمتُ أني إن أقاتلْ واحداً … أُقتَلْ ولا يَضْرُرْ عدوّيَ مشهدي

فصددت عنهم والأحبةُ فيهمِ … طمعاً لهم بعقاب يوم مُفسد

وقال سعيد بن المسيّب لرجل من قريش: من جاءكم بخبر الجمل؟ قال: عبدُ الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال سعيد: كان أبوه أول من جاء بخبر بدر. وفر الحارث يوم بدر، وفر هشام أبوه يوم الفِجار، وفر عبد الرحمن يوم الجمل. وأنشدني التوزي لأبي ثور عمرو بن معد يكرب:

ولقد أرفع رجليّ بها … حذَرَ الموت وإني لفرورُ

ولقد أعطِفها كارهةً … حين للنفس من الموت هرير

كلُّ ما ذلك منّي خُلُقٌ … وبكلٍّ أنا في الرَّوع جدير

ومثله قول زيد بن المهلهل:

أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلاً … وأنجو إذا لم ينجُ إلا المكيَّسُ

ولست بذي كُهْرورة غير أنني … إذا طلعتْ أُولى المُغيرةِ أعبِسُ

ومنه قول أبي كعب الأنصاري:

ألا لا تقل عرسي على حين ساعة … ألا فرّ عني مالكُ بن أبي كعب

أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلاً … وأنجو إذا غُمّ الجبان من الكرب

وقال آخر:

وماذا على مروان لو كنتُ خلفه … رديفاً على أقتاد أصهبَ بازل

ورفّعت من رجليّ ألتمس الذي … وجدتُ على عهد القرون الأوائل

هذا رجل فر من حرب، فطلب إلى مروان هذا أن يُردفه فأبى عليه، فعدا على رجليه حتى أفلت. وإنما أراد قول وَعْلة الجَرْميّ حين نجا يوم الكُلاب على رجليه:

فِدىً لكما رِجلَيَّ أمّي وخالتي … غداةَ الكُلابِ إذ تُحَزُّ الدوابر

يقول: إنما فعلت ما كان يفعل من كان قبلي من القرون الأوائل.

ويروى أن رجلاً من أهل الشام انهزم من حرب، فلقيه لاقٍ فقال: ما الخبر؟ قال: من صبر أخزاه الله، ومن انهزم نجاه الله.

باب

من الأخبار المستحسنة التي لا تدخل في جملة ما نقل منها ولا تشاكل ما ذكرناه قبلها. حدثني العُتبيّ في إسناد عن أبي خالد مولى عمرو بن عتبة قال قال محمد بن عمرو بن عتبة: جاءت هذه الدولة - يعني دولة ولد العباس - وأنا حديث السن متفرقُ الأموال خائف العيال، وكنت لا أنزل سكّة من سكك البصرة إلا شُهر مكاني، فرأيت أن أقيَ عيالي بنفسي، قال أبو خالد: قال لي: موعدك غداً بابُ الأمير سليمان بن علي، فبكرت فإذا به قد أقبل وعليه سراويل وَشْيٍ، قد أسدلها على قدميه، وطيلسانٌ مُطْبق، فقلت في نفسي إنا لله! ما تصنع الحداثة بأهلها. فلما دنا قلت: إن هذا اللباس ليس من لباس هذا اليوم. قال: صدقت والله ولكن ليس عندي إلا ما هو أشهر منه، فلففتُ سراويلَه حتى بلغت بها ركبتيه، وأخذت طيلسانه إليّ وأعطيته طيلساني، ثم قلت: ادخل الآن، فدخل، فلبث شيئاً ثم خرج إلي ضاحكاً، فقلت: ما كان بينك وبين الأمير؟ قال: مثَلْتُ بين يديه ولم يكن رآني قبلها فقلت: أصلح الله الأمير! ساقني البلاء إليك، ودلّني فضلُك عليك، فإما قبلتني غانماً، وإما رددتني سالماً. فقال: من أنت أعرفك؟ فانتسبت له، فقال لي: اقعد يا بن أخي فتكلم غانماً سالماً. فجلستُ فقلت: أيها الأمير إن هؤلاء الحُرَمَ اللواتي هنّ حُرَمُكم بعدنا وأنتم فيهن شركاؤنا، وقد خِفن لخوفنا، ومن خاف خيف عليه. فقال: ما أجابني إلا بعَبرته. فقال: بل يحقنُ الله دمك، ويصون حُرَمك، ويجمع لك مالك، ولو أمكنني مثل ذلك في جميع أهلك لفعلت، فكن مستتراً كظاهر، واكتب إليّ في حاجاتك. فقال: كان والله يكتب إلي كما يكتب الرجل إلى أبيه أو عمه. قال: قلما قضى حديثه رددت إليه طيلسانه، فقال: مه! فإن ثيابنا إذا فارقتْنا لا ترجع إلينا.

١٧ / ٣٨