الفاضل محمد بن يزيد المبرد

باب

الجزء ١ · صفحة ١٤

وأصبح لا يدري وإن كان حازماً … أقدّامُه خيرٌ له أم وراؤه

إذا المرء لم يخترْ صديقاً لنفسه … فناد بهِ في الناس هذا جزاؤه

وقد أفضينا من هذا الباب إلى بعض ما قصدنا له مما يجانمس الباب المتقادم، ونبتدئ بباب من معاني الشعر المستحسنة، وبالله الحول والقوة.

باب

أنشد منشد في صفة درع:

وكلّ ذيّالةٍ قَضّاءَ تحسَبها … نهياً بقاعٍ علَتْه الريحُ مشمول

تنفي السُّرى وجيادُ النبْل تتركها … من بين مُعتسِفٍ كَسْراً ومَفلول

يقول: هذه الدرع سابغة الذيل، شبّهها بغدير أصابته الشمال فاطرد ماؤه وتجعد. والنَّهْي، بالفتح: الغدير. ويقال: نِهْي بالكسر أيضاً. وزعم الأصمعي أنه سمّي نِهياً لأنه ينهى الماء أن يفيض عنه، وقال جرير:

فما ثَغَبٌ باتت تصفّقه الصَّبا … بسرّاءِ نِهيٍ أتأقتْه الروائحُ

الثَّغْب، مفتوح ساكن: الماء الصافي، وهو الذي لو وقع فيه دُعموص لكدره. وقوله: أتأقته، أي طردته كذا مرة، وكذا مرة، يقال: أتأقتُ الإناءَ وأترعتُه وأدهقته أي ملأته. وفي المثل: " أنا تَئق وأنت مَئِق فكيف نتفق " - يقول: أنا سريع الغضب ممتلئ منه، وأنت مَغيظ، فليس يقع بيننا اتفاق. وقوله: تنفي السُّرى؛ وهو الصغار من النبل، يقال للواحدة سِروة وسُروة لضيق حَلْقها، وقوله: وجياد النبل تتركها، أي تحطمها وتجعلها كِسَراً، معتسف، لأنه على غير قصد. قال النمر بن تولب:

وقد رمى بسُراه اليومَ معتمدا … في المنكبين وفي الساقين والرقبَهْ

وأنشد رجل من قريش:

ولستُ بزُمّيلة نأنأٍ … خَفِيٌّ إذا ركب العود عودا

ولكنني أحمل المؤنِساتِ … إذا ما الرجال استخفّوا الحديدا

قوله: إذا ركب العود عودا، أي إذا ركب السهام على القِسِيّ. والنأنأ: الضعيف، مهموز مقصور. والمؤنسات من السلاح: السيف والرمح والقوس والترس. وقوله: إذا ما الرجال استخفوا الحديد، أي في الحرب، يقول: إذا فزع الرجال أو خافوا خفّ ما عليهم من السلاح وإن كان ثقيلاً.

وأنشدني التوزي:

ورسم دار مُقفر الجنابِ … يزداد عُمراناً من الخرابِ

يصف داراً تزداد عمراناً من الخراب بالموتى الذين يُدفنون فيها.

وأنشدني المازني:

كأن تحت البطن منه أكلُبا … بيضاً صغاراً ينتهِسن المَنْقَبا

يصف فرساً يعدو، فإذا عدا ارتفعت قوائمه وبها تحجيل فصارت قرب بطنه، فشبّه تحجيله وتقليبه يديه ورِجليه من شدّة جَريه من شدة جَريه واقترابهما من بطنه إذا رفعهما بكلاب بيض صغار ينتهسنه، فهو ينفِر منها، وهو أشد لجريه.

وأنشد الأصمعي قول الشاعر، ولم نر تشبيهاً في بيت أحسن من هذا:

كأنّ مُثارَ النقْع فينا وفيهم … وأسيافَنا ليلٌ تَهاوى كواكبه

شبه الغبار بالليل، وشبه السيوف في الغبار بالكواكب المنفضة في الليل. وأنشد:

يحملن أوعية السلاف كأنّما … يحملنها بأكارع النِّغْران

شبه أغصان العنب وما يتشعّب منها بأكارع النِّغْران، هي عصافير. وقال آخر:

وحيّات نربّيها لتُجْدى … عليّ قبورُها بعد الممات

يعني دود القز. وقال ابن البراء الجعدي - ويقال للنابغة الجعدي:

أرارَ الله مُخَّكِ في السُّلامى … على من بالحنين تُعَوِّلِينا

فلستِ وإن حنَنْتِ أشد شوقاً … ولكنّي أسِر وتُعلنينا

ويروى: أراني الله مُخّك. والرار والرِّير: المخ الرقيق الذائب.

وقال الأصمعي: آخر ما يبقى من المخ والسِمَن في الدابة في سُلاماها وعينها، فدعا عليها بالهُزال والهلاك.

وقال الراجز:

لا يشتكين عملاً ما أنقَيْن … ما دام مخ في السُّلامى أو عين

قال أبو زيد: السُّلامى: الفراسن وعصبها، والنِّقي. وقوله ما أنقين، أي ما دام مخٌّ فيهنّ. وقال آخر:

طلب الأبلقَ العَقوقَ فلمّا … لم ينله أراد بَيضَ الأنوُقِ

هذا مثل، يقول: طلب ما لا ينال ولا يكون، والأصل أن العَقوق الحامل من الخيل. والأبلق الذكَر، والأنوق الرّخَم، وإنما يكون في أصعب المواضع على رؤوس الجبال حيث لا يوصَل إليه. وهو مثل قول الهذلي عُدَيل بن الفرْخ العِجلي:

بَيضُ الأنوق كسِّرهن ومن يُردْ … بَيضَ الأنوق فإنه يمعاقل

١٤ / ٣٨