باب
الجزء ١ · صفحة ١٦وحدثني مسعود بن بشر قال: كان عمرو بن العاص جيد الفطنة كثير الدهاء سريع الجواب بليغ الكلام. ويروى أنه جُعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عَمراً عن أمه - وكان يُطعن عليها - فأتاه وهو يومئذٍ أميرُ مصر، فقال: أصلح الله الأمير أردت أن أعرف أم الأمير، فقال: نعم، امرأة من عَنَزة ثم من بني العنبر ثم من جِلاّن، اسمها ليلى وتعرف بالنابغة، اذهب فخذ جُعْلك.
وحدثني مسعود بن بشر في إسناد متصل قال: قال المنذر بن الجارود لعمرو: يا أبا عبد الله، إنك أفضل الناس لولا أن أمَّك أمُّك، فقال: قد خطر هذا ببالي البارحة والله، فأقبلت أقلّبها على أحياء العرب ممن كنت أحب أن تكون فيهم فلم يخطر لي عبُد القيس ببال - يعني منذراً.
ومما يستحسن من سرعة الجواب وحضوره عند وقته ما يروى أن خالد بن صفوان لقي الفرزدق - وكان دميماً - وقد لبس ثياباً سريّة، فقال له: يا أبا فراس مرحباً بهذا الوجه الذي لو رآه صواحبُ يوسف لم يُكبرْنه ولم يقطعن أيديهن. فقال الفرزدق: وأهلاً ومرحباً بوجهك الذي لو رأته صاحبةُ موسى لم تقل لأبيها: " يا أبتِ استأجرْهُ إنّ خيرَ من استأجرتَ القويُّ الأمين " .
وحدثتُ أن شريكاً النُّميري سايرَ عمر بن هبيرة وهو على بغلة، فجاوزت بغلتُه برْذَون عمر، فقال له: اغضُض من لجامها، فقال: إنها مكتوبة، فقال: ما أردت ذلك، قال: ولا أنا أيضاً أردته. ظن شريك أن عمر عنى بقوله: اغضض من لجامها قول جرير:
فغُضّ الطرفَ إنك من نُمَير … فلا كعباً بلغت ولا كلابا
وعنى شريك بقوله: مكتوبة قوله:
لا تأمننّ فَزارياً خلوتَ به … على قَلوصِك واكتبها بأسْيار
أي اشدُدها. ويروى أن ابن مُلجم قال لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه: إني اشتريت سيفي هذا بألف، وسممته بألف، وسألت الله أن يُقتل به شرُّ خلقه. فقال: قد أجاب الله دعوتَك، يا حسن، إذا متُّ فاقتله بسيفه.
ويروى أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج بن يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم - أما بعد - فإنك سالمٌ والسلام. فأشكل على الحجاج وأرِق لذلك ليلته، فقال له ابن هُبيرة: ما يُسهر الأمير؟ فقال: كتابٌ كتبه إليّ أمير المؤمنين فيه كذا، قال: فإن أعلمتُك معناه فما لي عندك؟ قال: ولايةُ خراسان، فقرأ عليه الكتاب، فقال عمر: أخذه من قول القائل:
يُديرونني عن سالمٍ وأُديرهم … وجلدةُ بين العين والأنف سالمُ
فولاّه خراسان.
ويروى أن أبا دُلامة الشاعر دخل على المنصور أو المهدي وعليه جبّةٌ فاخرة فقال ما هذه الجبة يا أبا دلامة؟ فقال: هذه لا ألبسُها إلا في كل موتِ خليفةٍ، قال: فأراني ميتاً ولا أدري.
ويروى أن الحسينَ بن علي صلوات الله عليهما دخل على معاوية وهو في علّةٍ غليظة فقال معاوية: ساندوني، ثم تمثّل ببيت أبي ذُؤيب:
وتجلُّدي للشامتين أُريهمُ … أنّي لريبِ الدهرِ لا أتضعضع
فسلّم الحسين وتمثل ببيت أبي ذؤيب:
وإذا المنيةُ أنشبَتْ أظفارها … ألفَيتَ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ
وكان معاوية مع حدة جوابه وصواب رأيه حليماً جواداً، وكان يضيف إلى ذلك شجاعةً وحزماً، ويروى أن عبدَ الرحمن بن خالد بن الوليد قال له: إني لأراك تُقْدِمُ أحياناً حتى أقولَ أشجعُ الناس، وأراك تُحجم أحياناً حتى أقول أجبنُ الناس، قال: إني أُقدم ما كان الإقدام غُنماً، وأحجم ما كان الإحجام حزماً، فأنا كما قال القائل:
شجاعٌ إذا ما أمكنتنيَ فرصةٌ … وإن لم تكن لي فرصةٌ فجبانُ
وكان المهلّب يقول: الإقدام على الهلَكة تضييع، كما أن الإحجام عن الفرصة جُبن. ويروى أن جِرّة هوت على رأس يزيد ابنه فلم يتوقّها، فقال له المهلب: حفظتَ الشجاعةَ من حيث ضيّعت الحزم. ويروى عن أحد الحكماء قال: يجب على الرجل أن يكون سخياً ولا يبلغ التبذير، وأن يكون حافظاً ولا يبلغ البخل، وأن يكون شجاعاً ولا يبلغ التضييع، وأن يكون محترساً ولا يبلغ الجُبن، وأن يكون ماضياً ولا يبلغ القِحَة، وأن يكون قوّالاً ولا يبلغ الهَذَر، وأن يكون صموتاً ولا يبلغ العِيّ، وأن يكون حليماً ولا يبلغ الذل، وأن يكون منتصراً ولا يبلغ الظلم، وأن يكون أنفاً ولا يبلغ الزهو، وأن يكون حَيِيّاً ولا يبلغ العجز.