التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الأنفال

الجزء الأنفال · صفحة ٠
[سورة الأنفال — آية 42]

﴿ إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ ﴾ شط الوادي وشفير الوادي ﴿ الدُّنْيَا ﴾ القربى إلى جهة المدينة ، تأنيث الأدنى ، ﴿ وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى ﴾ البعد عن المدينة تأنيث الأقصى ، ﴿ وَالرَّكْبُ ﴾ أي : العير ، أبا سفيان وأصحابه ، وهو جمع راكب في المعنى ، ﴿ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ وفائدتها الدلالة على قوة العدو ، واستظهارهم بالركب ، وحرصهم على المقاتلة عنها ، وتوطين نفوسهم على أن لا تخلوا مراكزهم ، ويبذلوا منتهى جهدهم ، وضعف شأن المسلمين ؛ وكذا ذكر مراكز الفريقين ، فإن العدوة الدنيا – قيل – كانت رخوة تسوخ فيها الأرجل ، بخلاف العجوة القصوى . ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ ﴾ أنتم وأهل مكة ، وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه للقتال ؛ ﴿ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ﴾ لخالف بعضكم بعضا ، فثبطكم قلتكم وكثرتهم من الوفاء بالموعد ، وثيطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله والمسلمين ، فلم يتفق لكم من التلاقي ، ﴿ وَلَـكِن ﴾ جمع بينكم بلا ميعاد ، ﴿ لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ من إعزاز دينه ، وإعلاء كلمته ، ونصر أوليائه ، وإهلاك أعدائه ، وما أراد كونه فهو مفعولا لا محالة . ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ عن حجة ، ﴿ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ استعير الهلاك للكفر والحياة للإسلام ، أي : ليصدر كفر من كفر عن رضوخ بينه لا عن مخالجة شبة ، حتى لا يبقى على الله حجة ، ويصدر إسلام من أسلم عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به ، وذلك أن وقعة بدر من الآيات الواضحة التي من كفر بعدها كان مكابرا لنفسه مغالطا لها ، ولهذا ذكر فيها مراكز الفريقين ، وان العير كانت أسفل منهم ، مع أنهم قد علموا ذلك كله مشاهدة ، ليعلم المحق أن النصر والغلبة لا تكون بالكثرة والأسباب ، بل بالله تعالى ؛ وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء ، وكانت أرضا لا ناس فيها ولا ماء ، بالعدوة الدنيا ، وهي خيار تسوخ فيها الأرجل ، ولا تمشي فيها إلا بتعب ، وكان العير وراء ظهور العدو ، مع كثرة عددهم وعدتهم ، وقلة المسلمين وضعفهم ، ثم كان ما كان . ﴿ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ ﴾ لأقوالهم ، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بكفر من كفر ، وإيمان من آمن .

١٬٢٠٢ / ٦٬٢٣٦