التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة البقرة

الجزء البقرة · صفحة ٠
[سورة البقرة — آية 282]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾ وهذا الخطاب وارد للمؤمنين وفيهم ، إذا وقعت المعاملة بينهم ، وإن وقعت فيمن سواهم ، فالأحرى إثبات الأشهاد حذرا عن إتلاف المال ، ﴿ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾ أي : كاتب مأمون على ما يكتب ، لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص ، وفيه أن يكون الكاتب فقيها عالماً بالشرط حتى يجيء مكتوبهم معدَّلا بالشرع ، وهو أمر للمتداينيين يتحيُر الكاتب ، ولا يستكتبوا إلا فقيها دينِّا ، ﴿ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ ﴾ ولا يمتنع واحد من الكتَّاب ﴿ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ ﴾ كتابه الوثائق ، ولا يبدل ولا يغيَّر ؛ ﴿ فَلْيَكْتُبْ ﴾ تلك الكتابة لا يعدِلُ عنها ، ﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾ ولا يكن المملَّ إلاَّ من وجب عليه الحق ، لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره ، فيكون ذلك إقرارا عليه نفسه بلسانه ، والإملال والإملاء لُغتان ، ﴿ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ ﴾ فلا يمتنع عن الإملاء ، فيكون جحودا لكل حقه ،

﴿ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ ولا ينقص شيئا منه .

﴿ فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً ﴾ مجنونا لأن السفه حفَّة في العقل ، أو محجورا عليه لتبذيره وجهله في التصرف ، ﴿ أَوْ ضَعِيفاً ﴾ صيباُ ، ﴿ أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ ِ ﴾ بعـيٍّ أو لخرس ، ﴿ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ ﴾ الذي يلي أمره ، ويقوم به ، ﴿ بِالْعَدْل ﴾ بالصدق والحقَّ ؛ ﴿ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ ﴾ واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدَّين ، ﴿ من رِّجَالِكُمْ ﴾ من رجالكم المؤمنين ، [ من أهل ] الحرِّية والبلوغ ؛ ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء ﴾ ممنَّ تعرفون عدالتهم ، فإنَّ من يكذب على الله أولى أن يكون مردود الشهادة ، ﴿ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ﴾ لأجل أن تنسى أحدهما الشهادة فتذكر أحدهما الأخرى ، ومعنى << تضلَّ >> أي : تنسى ، يريد إذا نسيت إحداهما شهادتها تُذكِّرها الأخرى .

﴿ وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ لأداء الشهادة أو للتحمَّل ، لئلا تستوي حقوقهم ، وقد توجد ، عن أبي سعيد فيما أرجوا أنه قال : إذا أدَّاهما وحملها .

﴿ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ ﴾ ولا تملَّوا ﴿ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ ﴾ أي : أعدل لأنه أمر به ، وإتباع أمره أعدل من تركه ، ﴿ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ ﴾ وأعون ، ﴿ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ ﴾ أحرى أو أقرب من انتفاء الرِّيب للشهادة والحاكمِ وصاحب الحقِّ ، فإنه قد يقع الشك في المقدار والصفات ، وإذا رجعوا إلى المكتوب يُزال ذلك ؛ وألف << أدنى >> منقلبة من واو ، لأنه من الدُّنوِّ ، ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً ﴾ إلاَّ أن تكون التجارة تجارة حاضرة ، أو إلاَّ أن تكون المعاملة تجارة حاضرة ﴿ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ ﴾ أي : تتعاطونها يدا بيد ،

﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا ﴾ معنى : إلاَ أن تتبايعوا يدا بيد ، فلا بأس ألاَّ تكتبوها ، لأنه لا يتوهَّم في التدَّاين .

﴿ وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ هذا التبايع ، يعني : التجارة الحاضرة على أن الإشهاد كافٍ فيه دون الكتابة ، والأمر للندب ، ﴿ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ﴾ نهى الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منها ، وعن التحريف والزيادة والنقصان والنهي عن الضرر بهما ، بأنَّ تجَّلا عن مهمَّ ، ويلزأ أو يعطي الكاتب حقه من الجعل ، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد ، ﴿ وَإِن تَفْعَلُوا ﴾ وإن تضاروا ﴿ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ ﴾ في مخالفة أمره ، ﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ ﴾ شرائع دينه وإصلاح دنياكم ، ﴿ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ لا يلحقه سهو ولا قصور .

٢٨٩ / ٦٬٢٣٦