سورة البقرة
الجزء البقرة · صفحة ٠﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً ﴾ أي لا يترك ضرب المَثَل بالعوضة ترك من يستحي أن يتمثَّل بها لحقارتها ، وضرب المثل صنعه ، مِن ضربِ اللبن وضربِ الخاتم .
﴿ فَمَا فَوْقَهَا ﴾ فما تجاوزها ، ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ﴾ المثل ﴿ الْحَقُّ ﴾ الحق : الثابت الذي لا يسوغ إنكاره ولا بطلانه ولا ذهابه ، وهو من الحقيقة التي هي ضد الظاهر الوهميِّ ، وضدُّه الباطل الذاهب الزاهق الممتحق ، يقال : حقَّ الأمرُ إذا ثبت ، ﴿ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا ﴾ أي شيء ؟ ﴿ أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً ﴾ إنكار منه لذلك ﴿ يُضِلُّ بِهِ ﴾ بالمثل ﴿ كَثِيراً ﴾ من الضالين ، أو إضلالا كثيرا، ﴿ وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ﴾ بيان أن المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والنظر في الأمور بناظر العقل ، إذا سمعوا بهذا التمثيل علموا أنه الحقُّ ، وأن الكَّار الذين غلبهم الجهل ، والهوى على عقولهم ، كابروا وعاندوا وقضوا عليه بالبطلان ، وقابلوه بالإنكار ، وأن ذلك سبب هدى المؤمنين وضلال الكافرين الفاسقين ؛ والعجب منهم كيف أنكروا ذلك . وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأجناس الأرض ، فقالوا : << أجمع من ذرة >> ، و<< وأجرء من الذباب >> ، و << أسمع من قراد >> و<< أضعف من فراشه >> ، و << آكل من السوس >> ، و << أضعف من بعوضة >> ، و << أعزُّ من مخّ البعوض >> ؛ ولكن ديدن المحجوج والمبهوت أن يرضى لفرط الحيرة بدفع الواضح ، وإنكار اللائح . ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ ﴾ (لعله) قيل : الإضلال هو الصرف عن الحق إلى الباطل ، وقيل : هو الإهلاك . ﴿ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ ﴾ الفسق : الخروج عن القصد ، وفي الشريعة الخروج عن الأمر بارتكاب الكبيرة ، وهو النازل بين المنزلتين : منزلة المؤمن والمشرك .