سورة البقرة
الجزء البقرة · صفحة ٠﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ أي ذلك الكتاب الكامل ، ﴿ لاَ رَيْبَ ﴾ لا شك فيه أنه من عند الله وأنه الحق الصدق ، وحقيقة الريبة قلق النفس واضطربها ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : (( دع ما يريبك إلى ما يريبك )) فأن الشك ريبة ، وإن الصدق اطمئنانية ، أي : فإن كون الأمر مسلوك فيه كما تقلق له النفس ولا تستقر ، وكونه صحيحا صادقا مما تطمئن له القلوب وتسكن ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) ، والمعنى : أنه من وضوح دلالته بحيث لا ينبغي أن يرتاب فيه ؛ إذ لا مجال فيه .
﴿ فِيهِ هُدًى ﴾ وإنما قيل : ﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ ، والمتقون : مهتدون به إلا الفاسقون ، ولم يقل : هدى للضالين ؛ لأنهم فريقان : فريق علم بقاءهم على الضلالة ، وفريق علم أن مسيرهم إلى الهدى ، وهو هدى لهؤلاء فحسب ، فلو جيء بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل : هدى للسائرين إلى الهدى ، فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا ، فقيل : ﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ والمتقي في الشريعة : هو الذي يقي نفسه تعاطي ما تستحق به العذاب ، ويقال : اتقى بترسه ، أي : جعله حاجزا بين نفسه بين ما يقصده ، فكان التقي يجعل امتثال أوامر الله والاجتناب عما نهاه عنه ، حاجزا بينه وبين العذاب ، ( لعله ) أي : هو بيان ورشد لأهل التقوى ، والتقوى : عبارة عن مقتضى الخوف ، مع أن فيه تصدير للسورة التي هي أولى الزهراوين ، وسنام القران . بذكر ألياء الله .
والمتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم : وقاء فتقي ، ففائها واو ولامها ياء ، فإذا بنية من ذلك " افتعل ’’ قلبت الواو ياء وأدغمتها في التاء الأخرى ، فقلت : اتقي . والوقاية فرط الصيانة ، وقيل : لا كمال أكمل ما للحق واليقين ، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبة : وقيل لعالم : فيم لذتك ؟ قال : << في حجة تتحرَّ اتضاحاً ، وفي شبهة تتضاءل افتضاحاً >> . ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين ، فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله ، وحقاً ﴿ َلا يأتيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾ ، والمتقي في الشريعة هو الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقاب من فعل أو ترك .