سورة التوبة
الجزء التوبة · صفحة ٠قوله : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحُسْنَى ﴾ أي : إن أردنا ببنيانه إلا خيراً ﴿ وَالله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
في تفسير الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك نزل بين ظهراني الأنصار وبنى مسجد قباء وهو الذي أسس على التقوى . وقد كان المنافقون من الأنصار بنوا مسجداً ، فقالوا نميل به . فإما يأتينا رسول الله فيه وإما لا يأتيه ، ونخلو فيه لحوائجنا . ونبعث إلى أبي عامر الراهب [ لمحارب من محاربي الأنصار كان يقال له الراهب ] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسره فيأتينا ونستشيره في أمورنا .
فلما بنوا المسجد وهو الذي قال الله عزّ وجلّ : ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أي : بين جماعة المؤمنين ، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل ، يعني أبا عامر المحارب . قال : فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر الوحي ، فجعل لا يأتيهم ولا يأتونه . فلما طال ذلك عليه دعا بقميصه ليأتيهم . قال : فإنه ليزُرُّه عليه إذ أتاه جبريل فقال :
﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ﴾ يعني ذلك المسجد ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾ يعني مسجد قباء ، في تفسير الحسن ، ﴿ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ ﴾ . أي من الذنوب .
ذكروا أنه لما نزلت هذه الآية : ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا أهل قباء ، إن الله قد أحسن عليكم الثناء [ في الطُّهور ] فماذا تصنعون؟ قالوا نغسل أدبار المقاعد »
وقال بعضهم : ذكروا لنا أن أناساً من أهل النفاق ابتنوا مسجداً بقباء ليضاهوا به مسجد نبي الله عليه السلام . وبعثوا إلى نبي الله ليصلِّيَ فيه . وذكر لنا أنه أخذ قميصه ليأتيهم حتى أطلعه الله على ذلك . وكان رجل فرّ من الإِسلام يقال له أبا عامر ، فلحق بالمشركين فقتلوه بإسلامه وقالوا : إذا جاء صلى فيه . قال مجاهد : ﴿ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله ﴾ أي : لأبي عامر .
ذكروا عن عثمان وعلي رضي الله عنهما في قوله : ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾ قالا : هو مسجد النبي عليه السلام .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله : ﴿ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوَى ﴾ قال : « هو مسجدي هذا ، وفي ذلك خير » ، يعني مسجد قباء .
وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا المنافقين الذين بنوا ذلك المسجد فقال : « ما حملكم على بناء هذا المسجد؟ » فحلفوا له بالله : إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون .