تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

سورة يونس

الجزء يونس · صفحة ٠
[سورة يونس — آية 4]

قوله : ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ﴾ على الاستفهام ﴿ أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ، أي : إنه ليس بِعَجَبٍ . وقد قال في آية أخرى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى ﴾ [ يوسف : 109 ] ؛ ولم يبعث الله رسولاً من أهل البادية ، ولا من الجن ، ولا من النساء .

قوله : ﴿ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ﴾ أي : عذاب الله في الدنيا والآخرة إن لم يؤمنوا ، كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم حين كذبوا رسلهم .

وهذا جواب من الله لقول المشركين حيث قالوا : ﴿ وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى ءَالِهَتِكُمْ ﴾ أي على عبادتها ﴿ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾

[ سورة ص : 6 ] . وقال في الآية الأخرى : ﴿ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ [ سورة ص : 5 ] . فقال الله : ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا ﴾ أي بأن أوحينا

﴿ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ ﴾ يعرفونه ويعرفون نسبه .

قوله : ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ أي سلف صدق عند ربهم أي إنهم يثابون به الجنة . كقوله : ﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ [ الروم : 44 ] .

﴿ قَالَ الكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾ يعنون القرآن . وبعضهم يقرأون : ﴿ لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾ يعنون النبي ، وهم مشركو العرب . فأراد الله أن يحتج عليهم وأن يبيّن لهم؛ فقال تبارك وتعالى :

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾ ، وفيها إضمار؛ قال في آية أخرى : ﴿ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ [ السجدة : 4 ] ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ والأيام كل يوم ألف سنة . قال : ﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [ الحج : 47 ] .

قوله : ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ ﴾ .

ذكروا عن الحسن أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه : « ما تسمون هذه أو قال : هذا؟ قالوا : السماء . قال : هذه الرقيع ، موج مكفوف ، وغلظها مسيرة خمسمائة سنة ، وبينها وبين السماء التي فوقها مسيرة خمسمائة عام وغلظها خمسمائة سنة ، وبينها وبين السماء الثالثة مثل ذلك ، حتى عد سبع سماوات وأرضين هكذا . قال : وبين السماء السابعة وبين العرش كما بين سماءين . وغلظ هذه الأرض مسيرة خمسمائة سنة ، وبينها وبين الثانية مسيرة خمسمائة عام ، وبينها وبين الثالثة مسيرة خمسمائة عام حتى عدَّ سبع أرضين هكذا »

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى ، وعلى قرنه العرش . وَبَيْنَ شحمة أذنه إلى عاتقه خفقان الطير مسيرة سبعمائة سنة يقول : سبحانك حيث كنت »

قوله : ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾ قال الحسن : يعني في خلقه ، ما يحيي ويميت ، وما يرزق ويفعل . وهو كقوله : ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [ الرحمن : 29 ] . وقال مجاهد : يدبّره أي : يقضيه .

قوله : ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ يقول : ليس أحد يشفع يوم القيامة إلا أن يؤذن له . كقوله : ﴿ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾

[ البقرة : 255 ] وكقوله : ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى ﴾ [ الأنبياء : 28 ] وقال : ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ [ غافر : 18 ] .

قوله : ﴿ ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ يوم القيامة . يقول : إن الذي خلق السماوات والأرض ، ثم استوى على العرش ، يدبر الأمر ، والذي لا يشفع عنده إلا بإذنه ، هو ربكم ، أي فإن ذلكم الله ربكم فاعبدوه . أفلا تذكرون . إليه مرجعكم جميعاً ، يعني البعث يوم القيامة لأنهم لا يقرون بالبعث .

قوله : ﴿ وَعْدَ الله حَقّاً ﴾ [ أي في المرجع إليه ] ﴿ إِنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ وهو كقوله : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ الله يُنشِىءُ النَّشْأَةَ الأَخِرَةَ ﴾ [ العنكبوت : 20 ] أي : يوم القيامة . وقال مجاهد : ﴿ إِنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ : يحييه ثم يميته ، ثم يبدؤه فيحييه .

قال : ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالقِسْطِ ﴾ أي : بالعدل ، أي : يجريهم الجنة . ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ ﴾ وهو الذي قد انتهى حرّه . ﴿ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي موجع ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ . أي : إن ذلك جزاؤهم بما كانوا يكفرون .

١٬٣٦٨ / ٦٬٢٣٦