تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

سورة الإسراء

الجزء الإسراء · صفحة ٠
[سورة الإسراء — آية 14]

قوله : ﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ قال الحسن : طائره : عمله . قوله : ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ قال بعضهم : سيقرأ يومئذٍ من لم يكن قارئاً في الدنيا .

ذكروا عن أبي بن كعب قال : يُدعى الخلائق يوم القيامة للحساب؛ فإذا كان الرجل في الخير رأساً ، يدعو إليه ويأمر به ، ويكثر عليه تبعه ، دعِيَ باسمه واسم أبيه ، فيقوم ، حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض في باطنه السيئات ، وفي ظاهره الحسنات ، فيبدأ بالسيئات فيقرأها فيشفق ويتغير لونه . فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه : هذه سيئاتك وقد غفرت لك فيفرح . ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته ، فلا يزداد إلا فرجاً .

ثم إذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه : هذه حسناتك وقد ضوعفت لك ، فيبيض وجهه ، ويؤتى بتاج فيوضع على رأسه ويكسى حلتين ، ويحل كل مفصل منه ويطول ستين ذراعاً ، وهي قامة آدم . ويعطى كتابه بيمينه ، فيقال له : انطلق إلى أصحابك فبشرهم وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا . فإذا أدبر قال : ﴿ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍِ حِسَابِيَه ﴾ يقول الله : ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴾ [ الحاقة : 19-23 ] فيقول لأصحابه : هل تعرفونني؟ فيقولون : قد غيرتك كرامة الله ، من أنت؟ فيقول : أنا فلان بن فلان ، ليبشر كل رجل منكم بمثل هذا .

وإذا كان في الشر رأساً يدعو إليه ، ويأمر به ، ويكثر عليه تبعه ، نودي باسمه واسم أبيه فيقدم إلى حسابه فيخرج له كتاب أسود بخط أسود ، في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات . فيبدأ بالحسنات فيقرأها ، فيفرح ويظن أنه سينجو . فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه : هذه حسناتك وقد ردت عليك ، فيسود وجهه ويعلوه الحزن ويقنط من الخير . ثم يقلب كتاب فيقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزناً ، ولا يزداد وجهه إلا سواداً . فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه : هذه سيئاتك وقد ضوعفت لك ، فيعظم للنار حتى إن فخذه لتكون مسيرة ثلاثة أيام وجلده مقدار أربعين ذراعاً؛ وتَزْرَقُّ عيناه ، ويسودّ لونه ، ويكسى سرابيل القطران . ثم تخلع كفه اليسرى فتجعل وراء ظهره ، ثم يعطى كتابه بشماله ويقال له : انطلق إلى أصحابك وخَبِّرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا .

فينطلق به وهو يقول : ﴿ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ القَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾ قال الله تعالى : ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ ﴾ [ الحاقة : 25-32 ] فيسلك فيها سبعين ذراعاً كما قال الله؛ يسلك فيها سلكاً تدخل من فيه حتى تخرج من دبره . فينادي أصحابه فيقول : هل تعرفونني؟ فيقولون : لا ندري . ولكن نرى ما بك من الحزن ، فمن أنت؟ فيقول : أنا فلان بن فلان ، ولكل إنسان منكم مثل هذا . ثم يُنصب للناس فتبدو فضائحه حتى [ يُعيّر و ] يتمنى أن لو انطلق به إلى النار استحياء مما يبدو منه .

قوله : ﴿ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ أي : شاهداً .

٢٬٠٤٣ / ٦٬٢٣٦