تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

سورة البقرة

الجزء البقرة · صفحة ٠
[سورة البقرة — آية 217]

قوله : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ قال الحسن : إنما سألوا عن قتال فيه . وهذا تقديم وتأخير : يقول : يسألونك عن الشهر الحرام وعن المسجد الحرام عن قتال فيه . وذلك أن مشركي العرب سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهر الحرام عن قتال فيه ، ليعلموا أهو على تحريمه ذلك أم لا؛ فقالوا : يا محمد ، أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام؟ فقال : « نعم » ، فأرادوا إن كان على تحريمه اغتزوه فقاتلوه . فقال الله : ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ وهذا منسوخ ، كان قبل أن يؤمر بقتالهم عامة .

﴿ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ ﴾ أي كفر بالله ﴿ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ الله ﴾ اي : إخراج أهل المسجد الحرام ، وهو الحرم كله ، يعني إخراج النبي والمؤمنين أخرجهم المشركون أكبر من قتالهم . فقال الله : ﴿ الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ [ البقرة : 194 ] . ذكر الحسن قال : ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ فاسْتَحَلّوا منكم القتل ﴿ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ﴾ أي : فاستحِلوا منهم ، أي جاوزوا ما كنتم تحرِّمون منهم قبل ذلك .

قال بعض المفسّرين : ذكر لنا أن واقد بن عبد الله التميمي ، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قتل عمرو بن الحضرمي ، رجلاً من المشركين ، في أول يوم رجب ، فعيّر المشركون أصحاب النبي عليه السلام ، فأنزل الله ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله ﴾ .

***********************

يقول الصد عن سبيل الله والكفر بالله أشد من القتل في الشهر الحرام . وإخراج أهله ، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر عند الله .

ثم عيَّر المشركون بأعمالهم ، أعمال السوء ، فقال : ﴿ وَالفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ﴾ .

قال مجاهد : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً في سرية ، فمرّ بابن الحضرمي وهو يحمل خمراً من الطائف إلى مكة ، فرماه بسهم فقتله . وكان بين نبي الله وبين قريش عهد ، فقتله آخِرَ ليلة من جمادى الثانية وأول ليلة من رجب؛ فقالت قريش : أفي الشهر الحرام ولنا عليكم عهد؟ فأنزل الله : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْه ﴾ ، يعني النبي وأصحابه ، فهذا كله أكبر من قتل ابن الحضرمي ، والفتنة ، أي : الكفر بالله وعبادة الأوثان ، أكبر من هذا كله .

وقد كان المسلمون أخذوا بعض من كان مع ابن الحضرمي أخذا ، وأفلت أحدهم ، وهو نوفل بن عبد الله ، فسبقهم إلى مكة فأخبرهم بالذي صنع أصحاب محمد ، فأمسوا فنظروا إلى هلال رجب ، فلم يستطيعوا الطلب .

ومضى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدموا المدينة بأسراهم وبالذي أصابوا . فلما أمسى أصحاب رسول الله من يوم أصابوا ابن الحضرمي نظروا إلى هلال رجب ، فكانوا في شك : في جمادى أصابوه أو في رجب . وأقبل المشركون من أهل مكة على من كان بها من المسلمين يعيِّرونهم بالذي فعل إخوانهم من قتل ابن الحضرمي ، وأخذهم الأموال والأسارى ، وقالوا : عمدتم إلى شهر يأمن فيه الخائف ، وتربط فيه الخيل ، وتوضع فيه الأسنة ، ويتفرغ فيه الناس إلى معايشهم ، فسفكتم فيه الدماء ، وأخذتم الأسارى ، وذهبتم بالأموال ، وأنتم زعمتم أنكم على دين الله . فكتب المسلمون من أهل مكة إلى عبد الله بن جحش بالذي عيّرهم به المشركون ، فكلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : قتلنا ابن الحضرمي ، فلما أمسينا نظرنا إلى هلال رجب ، فلا ندري أفي رجب قتلناه أم في جمادى الأخيرة . وقد عيّرنا المشركون بذلك ، أفحلال ما أصبنا أم حرام؟ فنزلت : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ . . . إلى قوله : ﴿ وَالفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ﴾ أي : أكبر عند الله من قتل ابن الحضرمي . وقال : الفتنة الشرك . وكان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم عامة .

قال : ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ ولن يستطيعوا . قال : ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ ﴾ أي بطلت ، ﴿ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾ أي : أهل النار ﴿ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

ذكروا عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من بدل دينه فاقتلوه » .

٢٢٤ / ٦٬٢٣٦