سورة المائدة
الجزء المائدة · صفحة ٠قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ وفي هذه الآية تقديم : يا أيها الذين آمنوا إذا حضر أحدكم الموت فأشهدوا ذوي عدل منكم .
قال الحسن أي : من المسلمين ، من العشيرة ، لأن العشيرة أعلم بالرجل وبولده وماله ، وأجدر ألا ينسوا ما يشهدون عليه . فإن لم يكن من العشيرة أحد ، فآخران من غيركم ، أي من غير العشيرة .
قال : ﴿ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ ﴾ فإن شهدا وهما عدلان مضت شهادتهما ، وإن ارتبتم في شهادتهما حبسا بعد صلاة العصر . وفيها تقديم؛ ثم تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم . قال الحسن : ولو كانا من غير أهل الصلاة ما حلفا دبر الصلاة .
قال : ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِالله إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الآثِمِينَ ﴾ فتمضي شهادتهما .
﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ أي اطلع ﴿ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً ﴾ أي شهدا بزور ، ردت الأشياء على الورثةَ الشاهدين ، وهو قوله : ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ ﴾ يعني من الورثة ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِالله لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ .
قال الله : ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى ﴾ [ أي أجدر ] ﴿ أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ .
قال الحسن : أراد الله أن ينكل الشهود بعضهم على بعض ، ولم تكن عند الحسن منسوخة .
ذكر عبد الله بن عون قال : قلت للحسن : هل نسخ من المائدة شيء . قال : لا . ذكروا عن الحسن قال : كان المسلمون أمروا أن يُشهدوا من عشائرهم ، ثم رخص لهم بعدُ أن يشهدوا من غير عشائرهم .
قال بعضهم : هذا رجل مات بغربة من الأرض في غير عشيرته ، وأوصى بوصية ، وأشهد عليها رجلين . فإن ارتيب في شهادتهما استُحْلِفا بعد العصر؛ وكان يقال : وعندها تصير الأَيْمان . ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً ﴾ قال : فإن اطُّلِعَ منهما على خائنة أنهما كذبا أو كتما ، أو جاء شاهدان يشهدان بغير ما شهدا به . أجيزت شهادة الآخرين وأبطلت شهادة الأولين . قال الله : ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ أي ذلك أحرى أن يصدقوا فيها وأن يخافوا العَقِب .
ذكروا عن عطاء بن السائب في قوله : ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ أي من أهل الكتاب .
وقال الكلبي : إن رجلاً لبني سهم انطلق في تجارة ومعه تميم الداري ورجل آخر ، وهما نصرانيان يومئذ . فلما حضر الرجلَ الموت كتب وصية ثم جعلها في ماله ومتاعه ، ثم دفعه إليهما فقال : أبلغا هذا أهلي : فانطلقا لوجههما الذي توجها إليه .
وفتّشا متاع الرجل بعد موته فأخذا ما أعجبهما فيه ، ثم رجعا بالمال إلى أهل الميت . فلما فتش القوم المال افتقدوا بعض ما خرج به صاحبهم معه . ونظروا في الوصية فوجدا المال فيها تاماً . فكلموا تميماً وصاحبه فقالوا : هل باع صاحبنا شيئاً أو اشترى شيئاً فوُضِعَ فيه؟ قالا : لا . فقالوا : هل مرض فطال مرضه فأنفق على نفسه؟ فقالا : لا . فقالوا : إنا نفتقد بعض ما أبدى به صاحبنا ، فقالا : لا علم لنا بالذي أبدى به ولا بما كان في وصيته ، ولكنه دفع إلينا المال فبلّغناه كما هو .
فرفعوا الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية . فقدما فحلفا عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم دبر صلاة العصر ، فخلّى سبيلهما . فاطلع على إناء من فضة منقوش مموّه بذهب عند تميم ، فقالوا : هذا من آنية صاحبنا التي كانت مع صاحبنا ، وقد زعمتما أنه لم يبع شيئاً ولم يشتره . قالا : لا ، فإنا كنا قد اشتريناه منه فنسينا أن نخبركم به . فرفع أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية : ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِالله لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ . فقام رجلان من أولياء الميّت ، يزعمان أنهما عبد الله بن عمر والمطلب بن أبي رفاعة ، فحلفا بالله إن ما في وصيته حق ، وإن خيانة بتميم وصاحبه . فأخذ تميم وصاحبه بما وجد في وصيته لما اطلع عليه عندهما من الخيانة لقول الله : ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى ﴾ ، أي أجدر ، ﴿ أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا ﴾ . . . إلى آخر الآية .
وبعضهم يقول : هي منسوخة . لا يحلف الشاهدان اليوم؛ إن كانا عدلين جازت شهادتهما ، وإن لم يكونا عدلين لم تجز شهادتهما . قال الله في سورة البقرة : 282 : ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾ وقال في سورة الطلاق : 2 : ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ ولم يجعل على الشاهد أن يحلف . ولا يستوجب المدَّّعي بنفسه الحق ، إن شهد له شاهدان ذوا عدل قُضِيَ له ، وإن لم تكن له بيّنة استحلِف له المدعى عليه .
ذكروا عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَءَاتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ ﴾ [ ص : 20 ] قال : البيّنة على المدَّعِي واليمين على المدَّعَى عليه .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « المدعى عليه أولى باليمين إذا لم تكن بيّنة » .
ذكروا أن مجاهداً قال : هو أن يموت المؤمن فيحضر موته مؤمنان أو كافران ، لا يحضر غير اثنين . فإن رضي ورثته عما غابا عليه من تركته فذاك ، وإلا حلف الشاهدان أنهما صادقان ، فإن عثر ، أي : إن وجد لطخ أو لبس أو سبة ، حلف اثنان من الأوْليين من الورثة فاستحقا وأبطلا أيمان الشاهدين .
قال : ﴿ وَاتَّقُوا الله وَاسْمَعُوا وَالله لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ ﴾ أي المشركين الذين يموتون على شركهم .