2 - المطلب الأول: أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالنهضة العلمية:
الجزء ١ · صفحة ١٥٠ودليل شغف أئمة الدولة الرستمية بالعلم وحبهم له ولنشره ، إهتمامهم بتعلمه وإتقانه منذ السنوات الأولى من حياتهم ، فالإمام عبد الرحمن بن رستم - المؤسس للدولة الرستمية - هاجر في سنوات عمره الأولى وقبل أن ينشئ الدولة الرستمية إلى البصرة ميمما شطر البحر - في ذلك الوقت - الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (1) ،
(1) *- هو الإمام الكبير المحدث الحافظ الثقة الثبت الزاهد المجاهد أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي ـ بالولاء ـ كان مولى لعروة بن أدية التميمي - رحمه الله تعالى - ، وقيل إن اسم أبيه كورين ، وكني بابنته عبيدة ، وقد اختلف في أصله كما ذكر الشيخ القنوبي نقلا عن سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله تعالى - ، فقيل : حبشي ، وقيل : فارسي ، وقيل : كردي ، ولد بالبصرة سنة 45هـ أو بعدها بقليل كما رجح الشيخ القنوبي ، نشأ في البصرة ، وأخذ في طلب العلم لا سيما الحديث والفقه ، قال الشيخ القنوبي : " … ودأب في طلب العلم ، لا سيما الحديث والفقه فقد تفنن فيهما وبرع وفاق فيهما أهل عصره أو أغلبهم " إهـ ؛ وقد عاش في مبدأ أمره في كنف شيخه ومولاه عروة بن أدية ، فورث عنه شجاعته وزهده وتقواه ، ثم انتقل إلى الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه ، فأخذ عنه الحديث والفقه والسياسة ، ثم خلفه بعد وفاته في رئاسة المذهب الإباضي ، فدرس الطلبة وأرسلهم إلى البلدان الشاسعة لتعليم أهلها ولإقامة العدل فيها متى أمكن ذلك ، وناظر المخالفين فأقام عليهم الحجة ، وأوضح لهم المحجة ، كما ذكر الشيخ القنوبي .
ذكر أنه مكث في طلب العلم أربعين سنة ، ثم مكث بعد ذلك في التعليم أستاذا أربعين سنة ، وقد تعرض للسجن من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي ، بسبب نشاطه الدعوي ، فلم يخرج من السجن حتى هلك الحجاج سنة 95هـ ، وقد أنشأ مدرسة في سرداب قرب البصرة بعيدا عن عيون بني أمية ، وإمعانا في التمويه ادعى صنع القفاف وتعليمها حتى سمي بالقفاف ، واستطاع أن يقيم ثلاث دول للإباضية وهي دولة الإمام طالب الحق في اليمن والحجاز ، ودولة الإمام الجلندى بن مسعود في عمان ، ودولة الإمام أبي الخطاب المعافري في إفريقية ؛ وذكر الإمام السالمي - رحمه الله تعالى - أن أبا عبيدة أدرك من أدركه الإمام جابر بن زيد ، فروايته عن الإمام جابر رواية تابعي عن تابعي ، وقد روى عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين - رضي الله عنهم - ، وروايته عنهم بعضها موجود في مسند الإمام الربيع بن حبيب .
أخذ العلم عن جماعة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعن جماعة من التابعين كجابر بن زيد والحسن البصري وابن سيرين ومجاهد وضمام بن السائب وأبي نوح الدهان وجعفر بن السماك وعن صحار العبدي ؛ أخذ العلم عنه خلق كثير أمثال : الإمام الربيع بن حبيب ، وسلمه بن سعد ، والإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي ، والإمام الجلندى بن مسعود ، والإمام =
= أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري ، والإمام عبد الرحمن بن رستم ، وأبو أيوب وائل الحضرمي ، وأبو حمزة المختار بن عوف وغيرهم ؛ وقد أثنى عليه عدد كبير من العلماء سواء من المتأخرين أو من المتقدمين ، قال الشيخ القنوبي : " لقد كان أبو عبيدة ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه ـ ثقة حافظا ضابطا ورعا زاهدا تقيا نقيا … " إهـ ، وقال فيه الدرجيني : " كبير تلامذة جابر ، وممن حسنت أخباره والمخابر ، تعلم العلوم وعلمها ، ورتب الأحاديث وأحكمها ، وحافظ في خفية على الدين حتى ظهر على يد الخمسة الميامين ، حسب ما تقدم من ذكر دراستهم ، وحملهم العلوم ، وما شفي الله به وبهم من الكلوم ، وكان عالما مع الزهد في الدنيا ، والتواضع مع نيل الدرجات العليا ، والاعتراف بضيق الباع على ما عليه من الاتساع " إهـ ، وقال فيه الشماخي : " تعلم العلوم وعلمها ، ورتب روايات الحديث وأحكمها ، وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه ويزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر وعظه ، وقد اعترف له بحوز قصب السبق في العلوم ، واعترف مع ذلك بضيق الباع مع ما هو عليه من الاتساع … " إهـ ، وقال فيه الإمام القطب : " كان رجلا ذا علم ووعظ نافذ وفقه وحديث " إهـ ، وقد سأل أحمد بن حنبل يحيى بن معين ـ إمام الجرح والتعديل ـ عن أبي عبيدة - رحمه الله تعالى - ، حيث قال له : " شيخ حدث عنه معتمر يقال له أبو عبيدة عن ضمام عن جابر بن زيد : كره أن يأكل متكئا ، من أبو عبيدة هذا ؟ قال : رجل روى عنه معتمر ليس به بأس ، قلت : من حدث عنه غير المعتمر ؟ قال : البصريون يحدثون عنه . وسأل أحمد بن حنبل عن عمارة بن حيان ، فقال يحيى بن معين : رجل روى عنه أبو عبيدة ، هذا من أصحاب جابر بن زيد وقد حدث أبو عبيدة عن صالح الدهان " إهـ . وقد ترك آثارا علمية منها : 1- مجموعة أحاديث كان يرويها عن الإمام جابر بن زيد وجعفر بن السماك ، وصحار العبدي ، 2- كتاب " مسائل أبي عبيدة " وهو مجموعة من الفتاوى وبعض المحاورات ، 3- كتاب الزكاة ، 4- رسائل تعرف بـ " رسائل أبي عبيدة " ، 5- فتاوى في الأصول والفروع وهي متناثرة في الكتب ، 6- ناظر المعتزلة وأفحم زعيمهم واصل بن عطاء ، 7- اعتبره الجاحظ من الخطباء البلغاء .
وقد توفي الإمام أبو عبيدة في عهد أبي جعفر المنصور ( 136هـ - 158هـ ) ، حتى أن أبا جعفر المنصور حين بلغه نبأ وفاته قال : " أوقد مات ؟! إنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهبت الإباضية " ، وقد رجح الشيخ القنوبي أن وفاته كانت في سنة 150هـ أو بعدها بقليل .
( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/238 ـ الشماخي ، السير ، 1/78 ـ القطب ، شرح عقيدة التوحيد ، ص78 نقلا عن : القنوبي ، الربيع بن حبيب ، ص30 ـ السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، 1/6 ـ أحمد بن محمد بن حنبل ، كتاب العلل ومعرفة الرجال ، ج3 ، ت : وصي الله عباس ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ/ 1988م ، ص11- 12 ـ البخاري ، كتاب التاريخ الكبير ، ج4 القسم الأول ، ص271- القنوبي ، الربيع بن حبيب ، ص26- 36 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/418- 419 رقم الترجمة : 891 ) .