2 - المطلب الأول: أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالنهضة العلمية:
الجزء ١ · صفحة ١٥٢وقد اهتم الإمام عبد الرحمن بعمارة الدولة الرستمية وتهيئتها حتى تكون قادرة على العطاء العلمي وتخريج العلماء ، وكما هو معلوم فإن المسجد في ذلك الوقت يعتبر هو الجامعة التي تخرج العلماء وحملة العلم ، فلم يغفل الإمام عبد الرحمن أهمية المسجد ودوره الفعال في النهضة العلمية ، فكان المسجد هو أول ما بناه في دولته الناشئة ليكون منارة للإشعاع العلمي والحضاري (1) ، وكان يقيم فيه حلقة للعلم يتولى التدريس فيها بنفسه (2) .
كذلك فإن الإمام عبد الرحمن طبق مبدأ الحرية الفكرية والدينية في الدولة الرستمية ، فلم يقمع المخالفين لمذهب الدولة ، بل سمح لهم بالعيش في كنفها ، فكانت لهم بيوتهم ومساجدهم الخاصة التي يعرفون بها ، وكانت تدور فيها مختلف المناظرات العلمية بين مختلف علماء المذاهب بكل حرية -كما سنرى - ، قال ابن الصغير : " … وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار ، فقال : ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته وأمانه على نفسه وماله ، حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي ، وهذه لفلان البصري ، وهذه لفلان القروي ، وهذا مسجد القرويين ورحبتهم ، وهذا مسجد البصريين ، وهذا مسجد الكوفيين … " إهـ (3) .
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص82- الدرجيني ، الطبقات ، 1/41 ـ الشماخي ، السير ، 1/125.
(2) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/372 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص267 .
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص36 .