البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

الخاتمة العامة

الجزء ١ · صفحة ٧٤٤

لقد تبين من مبحث القدر أن الإباضية لم يبقوا في معزل عن مجرى الأحداث السياسية ولم يقفوا عن الخوض في هذه القضية رغم انهم يعلمون كما يعلم بقية علماء الكلام، أنها سر من أسرار الله تعالى.

والواضح في كل هذا أن موقفهم كان ذاتيا فلم يكن متأثرا لا بالمعتزلة الذين أطلقوا عنان الحرية المطلقة للإنسان رغم اتفاقهم والمعتزلة في جل الإلهيات كما رأينا، ولا بالجبرية الذين لم يميزوا بين حركة المضطر وحركة المختار واعتبروا حركة الإنسان كحركة الشعرة في مهب الريح. وقد ظهرت بوادر الاعتدال من وقت مبكر بعد التحول من موقف التفويض وذلك مع أمام الإباضية الثاني أبي عبيدة مسلم.

وفعلا فقد وقفوا مناظرين للمعتزلة والجبرية قبل نشأة الأشعرية والماتريدية مستعملين حجج هذا على ذاك ملحين خاصة على إمكانية تعدد الجهات بالنسبة الى الحركة الواحدة.

ومع نشأة هاتين المدرستين تبلور مفهوم الكسب، وهو مصطلح لمفهوم اتضحت معالمه من قبل فالفعل من العبد والخلق من الله.

ولم يستقر هذا بصفة نهائية إلا بعد أن تناست الأجيال ما جد من خلاف بين أهل جبل نفوسة وبقية أهل المغرب في ما يتعلق بالجبل والاختيار.

واستقر الوضع على مفهوم الكسب مع بلورة مفهوم الإرادة والاستطاعة والعون والخذلان.

والمهم في كل هذا أن الإباضية بم يجدوا الإنسان من المسؤولية وهذا لعمري أساسي في مثل هذا المبحث الكلامي وإن بدا لبعض الباحثين أن الكسب تعبير مقنع عن الجبر.

والحقيقة في ما نرى ليست كذلك وإنما القول بالكسب شعور من الإنسان أنه مسؤول أمام مشيئة الله التي لا تحد، والفرق كبير بين من يصرح بأنه مجبر ويحمل مسؤولية جميع أعماله على الله تعالى فيفعل ما يطيب له وبين من يعتبر أن كل عمل هو من كسبه وأن له دورا فيه سيحاسب عليه بين يدي الله.

٧٤٤ / ٧٤٦