الموضوع: الحج
الجزء ١ · صفحة ٣٨٣فإذن بداية بناء هذا البيت الحرام أمر غير معروف عندنا ولكن بُني بأمر الله، وبناه من بناه من صفوة خلقه الله سبحانه الذين اختارهم الله تعالى على علمه ليكونوا حملة لمشعل الهداية بين الناس، ويكفينا أن من أمّ هذا البيت الحرام يستذكر تلكم العهود، يستذكر إبراهيم عليه السلام وهو يجأر إلى ربه سبحانه وتعالى بالدعاء (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) (إبراهيم:37)، ويستذكر أيضاً ما كان من أمر إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر عليها السلام وقد تركهما إبراهيم منفردين في ذلك المكان وإسماعيل لا يزال صبيا، وكيف اشتد الأمر بهاجر وبابنها إسماعيل عندما كان إسماعيل يكابد ما يكابد من الظمأ حتى تداركتهما عناية الله ففجّر الله تبارك وتعالى لهما العين التي لا تزال بركتها باقية إلى الآن، وكان ذلك سبباً لئن يأتي إليهما من يأتي من قبيلة جرهم ليسكنوا في ذلك المكان الذي كان متروكاً ومهجورا.
هذا كله مما يستذكره الإنسان، وإيمانه بأن عناية الله تبارك وتعالى هي التي تداركت الطفل الصغير وهو في ذلك الموقف الحرج وتداركت أمه وهي أيضاً في تلكم الحالة العصيبة كيف كانت تشاهد ولدها يقاسي ألم العطش، هذه العناية يرجوها المسلم في كل مكان، فعندما يتوجه إلى ذلك المكان ويأتي إليه ويطوف بذلك البيت لا ريب أنه يشعر بهذه العناية التي يحوط الله تبارك وتعالى بها عباده المؤمنين فيرجو أن يكون له نصيب وافر من هذه العناية الربانية ليشق طريق حياته غير لاو على شيء من تحدياتها، ويمتثل أمر ربه سبحانه وتعالى كيفما كلفه ذلك من المشقة والتعب.