موضوع الحلقة: آداب السؤال
الجزء ١ · صفحة ٦٣ثم جاءت طبقة من بعدهم واحتاج الناس إلى وضع المصطلحات، احتاج الناس إلى أن يفهموا اللغة فهماً دقيقاً فأخذ الناس يدرسون فنون هذه اللغة بعدما وضعها الواضعون، ثم احتاج الاستنباط أيضاً إلى دراسة الطرق والوسائل، فإن الأدلة الشرعية منها ما هو مجمل ومنها ما هو مبين، ومنها ما هو عام ومنها ما هو خاص، ومنها ما هو مطلق ومنها ما هو مقيد ومنها ما متشابه ومنها ما هو محكم، ومنها ما هو ناسخ ومنها ما هو منسوخ.
فلذلك كان دراسة الفن الذي يمكّن من ذلك أمراَ ضروريا، فنحن نجد أن العلماء بعد تلك الفترة وضعوا فن أصول الفقه، والصحابة رضوان الله عليهم وإن لم يصطلحوا على تسمية هذا خاصاً وهذا عاماً وتسمية هذا مطلقاً وهذا مقيداً وتسمية هذا مجملاً وهذا مفصلاً، إلا أنهم كانوا على قدر من الذكاء والفطنة فلذلك كانت الأحكام تجري على ألسنتهم وفق مراد الله تبارك وتعالى من غير وجود هذه المصطلحات.
ولكن بعدهم أنّى للإنسان الآن وهو يرى الدليل العام أن يأخذ بهذا الدليل العام على أي حال من الأحوال ولو كان ثم مخصصات خصصت هذا الدليل العام، فكم من مخصص خصص العموم، حتى أن العلماء قالوا إنه ما من عام إلا وقد خصص ما عدا بعض العمومات التي لا يجوز تخصيصها وهي لا تتعلق إلا بجانب العقيدة لا تتعلق بجانب العمل، وكذلك نجد أن المطلقات قيدت وأن المجملات بينت وأن هناك منسوخاً وثم ناسخا فلا بد من فهم ذلك، ولا بد من فهم كيفية التخصيص للعمومات وكيفية التقييد للمطلقات وكيفية البيان للمجملات هذه أمور لا يتمكن منها إلا الحاذقون الفاهمون الذين درسوا هذا الفن وهو فن أصول الفقه.