50سأذ 19 رمضان 1424هـ - 14 نوفمبر 2003م الاعتكاف طبعت
الجزء ١ · صفحة ١٠ج: حقيقة الأمر؛ يَنبغي أن يُنظَر في طبيعة العمل ومقدار العمل والدَّور الذي يَقُوم به هذا العامل في ذلك العمل وما يُخلِّفه من ضرورة ومن سوء حالة عندما يَخرج من ذلك العمل .. كلُّ شيء يُقاس بِمقياسه، فنحن نرى كيف كان السلف الصالح يَقيسون الأشياء بمقاييس دقيقة، فقد يُميِّزون بين حالة وحالة، حتى أنّ مِنهم من عدَّ الشخص الذي تَرتبِط به مصالح الأمّة وتحتاج إليه الأمّة وتَفتقِر إليه الأمّة في ذلك العصر .. أي في العصور الغابِرة التي كانت الأسفار فيها الكثير من المشقّات .. كانوا يقولون في مثل هذا الشخص إن حجَّ نافلة كان كمَن بنى قصرا وهدم مِصرا "، ذلك لأجل حاجة الأمّة إليه، لأنّ الأمّة تَتطلَّع إلى ما عنده، وتَتطلَّع إلى عطائه الواسع، فبقاؤه ما بين الأمّة يَكفيه عن الحج والعمرة وعن غير ذلك من الأعمال التي هي مندوبٌ إليها .. لا أعني حَجّة الفريضة، فحَجّة الفريضة هي ركن من أركان الإسلام .. هذا مع الترغيب في الحج، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة )، ولكن عندما يكون الإنسان يُسافر سفرا طويلا-كما كان الناس في ذلك الوقت أسفارهم إلى الحج تأخذ وقتا طويلا، ففي بعض الأمصار يَحتاجون إلى مدّة حتى يَصلوا إلى مكة .. قد تصل المدّة ستّة شهور أحيانا، وقد تكون أقلَّ من ذلك، وقد تكون أكثر-والأمّة بِحاجة إليه ويَذهب إلى هنالك مِن أجل حَجّةٍ نافلة ويَترك مصالح الأمّة قالوا هذا كمن بنى قصرا وهدم مِصرا، لأنّ الناس بِحاجة إليه، فهكذا ينبغي أن يُنظَر إلى جميع الأعمال بِمنظارٍ دقيق وأن يُميَّز بين أحوال الناس، فمِن الناس مَن يَكون بَقاؤه في بلده لأجل التصدّي لِلأعمال وخِدمة الأمّة والنهوض بِمصالحها أوْلى مِن السفر إلى الحج أو مِن دخوله المعتكَف، وقد يَكون بِخلاف ذلك.